مظاهر التخفيف الإلهي: قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ}: يعني في نكاح الأمة عند العجز عن الحرة، وفي إباحة ما أحل الله من المحصنات، وسائر رخص الشريعة الإسلامية.
تفسير ضعف الإنسان: أخرج الطبري (ج ٨، ص ٢٥٦)مصدر غير محدد٨/٢٥٦ عن طاووس قال: «خلق الإنسان ضعيفاً: أي لا يصبر عن النساء». وقال قتادة ومجاهد والحسن: ضعيف التركيب، قليل الصبر عن الشهوات، لا يحتمل مجاهدة الغرائز بدون تشريع ميسر يضبطها ويصرفها في مسارها الحلال.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يُخَفِّفَ
التخفيف هو تيسير الأحكام ورفع الحرج والمشقة الثقيلة عن المكلفين.
ضَعِيفًا
الضعف نقيض القوة، وهو صفة ملازمة للخلقة الإنسانية في بنيتها الجسدية والنفسية والعقلية.
يُرِيدُ اللَّهُ
فعل وفاعل، و{أَن يُخَفِّفَ}: مصدر مؤول في محل نصب مفعول به ليريد.
عَنكُمْ
جار ومجرور متعلق بيخفف.
وَخُلِقَ
الواو استئنافية أو حالية، خُلق فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح.
الْإِنسَانُ
نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
ضَعِيفًا
حال منصوبة من الإنسان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية العظيمة مسك الختام لسلسلة الإرادات الإلهية الثلاث؛ لتؤسس القاعدة الكلية الكبرى في الفقه الإسلامي: "المشقة تجلب التيسير"، وتؤكد أن رخص النكاح والمواريث والمعاملات ما شرعت إلا رحمة بضعف هذا المخلوق وحفظاً له من الهلاك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة يسر الشريعة ومقاصد الرخص: التشريع الإسلامي واقعي يتعامل مع الإنسان كما خلقه الله، لا كما يتخيله الفلاسفة في مدنهم الفاضلة الخيالية؛ فلم يطلب من الإنسان الرهبانية الممتنعة ولا قمع الغرائز بالكلية، بل فتح له الأبواب المشروعة ويسر له الأسباب وشرع الرخص عند الضرورات، ليظل في دائرة الطهارة والعبودية دون إعنات أو مشقة غالبة.
بناء الفعل للمجهول في {وَخُلِقَ الْإِنسَانُ}: للعلم الفاعل قطعاً وهو الخالق سبحانه؛ والتعبير بالضعف لفتة إيمانية لتربية الإنسان على التواضع والافتقار المستمر إلى ربه، وترك التكبر والعجب بالقوة العقلية أو الجسدية الزائلة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار رحمة الله ولطفه في التكاليف الشرعية، واستحضار الضعف البشري عند مواجهة الفتن ومصادر الإغواء.
الأخذ برخص الله المشروعة دون تنطع أو غلو، فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته.