أخرج ابن جرير الطبري (ج ٩، ص ٣٨٦-٣٩٦)مصدر غير محدد٩/٣٨٦ عن ابن عباس وأبي هريرة والحسن البصري وقتادة: في الآية قولان معتبران لأئمة التفسير، أرجحهما عند المحققين:
القول الأول (وهو الراجح المروي عن أبي هريرة وابن عباس): {قَبْلَ مَوْتِهِ} أي قبل موت عيسى عليه السلام حين ينزل في آخر الزمان؛ فلا يبقى يهودي ولا نصراني على وجه الأرض إلا آمن به وبأنه عبد الله ورسوله، وتكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام؛ وشهد أبو هريرة رضي الله عنه لهذا التفسير بحديث النزول وقال: «اقرؤوا إن شئتم: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}».
القول الثاني: {قَبْلَ مَوْتِهِ} أي قبل موت الكتابي نفسه حين يحتضر ويعاين ملائكة العذاب؛ فيكشف له الغطاء ويؤمن بأن عيسى رسول الله وعبد الله، لكن لا ينفعه الإيمان في تلك اللحظة لفوات وقت التكليف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَإِن
إن نافية بمعنى "ما"؛ أي: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به.
لَيُؤْمِنَنَّ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، يؤمنن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل يعود على أهل الكتاب أو على من يتصل به الخطاب.
وَإِن
الواو عاطفة أو استئنافية، إن نافية.
مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
متعلق بمحذوف خبر مقدم، أو متعلق بحال من المبتدأ المقدر، وتقدير الكلام: "وإن أحدٌ من أهل الكتاب كائناً إلا...".
إِلَّا
أداة حصر وإيجاب.
لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ
جملة جواب القسم المقدر لا محل لها، وجملة القسم وجوابه خبر المبتدأ المحذوف.
قَبْلَ مَوْتِهِ
ظرف زمان متعلق بيؤمنن، والهاء مضاف إليه.
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
يوم ظرف متعلق بشهيداً، يكون فعل مضارع ناقص واسمها ضمير مستتر يعود على عيسى، وعليهم متعلق بشهيداً، وشهيداً خبر يكون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مصير النزاع التاريخي حول عيسى عليه السلام:
بعد أن قرر القرآن كذب اليهود في دعوى القتل والصلب، وكذب النصارى في دعوى التأليه والبنوة؛ كشف في هذه الآية عن الخاتمة الحتمية لهذا الصراع؛ حيث ستتلاشى كل هذه المذاهب الباطلة في آخر الزمان عند نزول عيسى، فلا يقبل إلا الإسلام وتجتمع عليه كلمة أهل الأرض، ثم يكون عليهم يوم القيامة شهيداً بتبليغ رسالة ربه وبراءته من شركهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يكون عيسى شهيداً عليهم وهو لم يعاصر معظمهم؟:
يدفع الإشكال: شهادة الأنبياء على أممهم شهادة بالغة مبنية على إقامة الحجة؛ فعيسى عليه السلام يشهد على قومه المعاصرين له بما شاهده منهم من الإيمان أو الكفر، ويشهد على المتأخرين بتبليغ رسالة التوحيد وبراءته المطلقة مما نسبوه إليه من ادعاء الربوبية كما قال تعالى في ختام المائدة: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ}.
أسلوب النفي والاستثناء والقسم في {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ}: تركيب بياني بالغ القوة لتوكيد حتمية وقوع الحدث؛ فلا ينجو كتابي كائناً من كان من لحظة الحقيقة الساطعة التي تنهار عندها كل التحريفات المذهبية المتوارثة عبر القرون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رسوخ عقيدة ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن عيسى عليه السلام إذا نزل لم ينزل بشرع جديد بل تابعاً ومحكماً لشريعة القرآن.
الحرص على تصحيح الإيمان قبل فوات الأوان، فإن المعاينة عند الموت تسقط قيمة التوبة.