وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
بيان حدود الله: قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}: أي فرائضه التي حدها لعباده وقسمها لهم في المواريث، فلا تعتدوها ولا تنقصوا منها أحداً حقاً فرضه الله له.
القراءات المتواترة:
قرأ نافع وابن عامر: {نُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} و{نُدْخِلْهُ نَارًا} بنون العظمة التفاتاً من الغيبة إلى التكلم.
وقرأ الباقون: {يُدْخِلْهُ} بالياء لرجوع الضمير على اسم الجلالة في قوله: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
حُدُودُ
الحد في اللغة هو الحاجز والمانع بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر، وحدود الله: شرائعه ومحارمه الفاصلة بين الحلال والحرام.
الْفَوْزُ
الظفر بالخير والنجاة من الشر، ووصفه بـ {الْعَظِيمُ} لبيان أنه فوز لا يضاهيه فوز دنيوي زائل.
تِلْكَ
اسم إشارة مبتدأ، والإشارة للأحكام السابقة، و{حُدُودُ}: خبر مرفوع.
وَمَن يُطِعِ
اسم شرط جازم مبتدأ، و{يُطِعِ} فعل الشرط مجزوم بالسكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
يُدْخِلْهُ
جواب الشرط مجزوم، والهاء مفعول به أول، و{جَنَّاتٍ}: مفعول به ثان أو منصوب على نزع الخافض.
خَالِدِينَ
حال من المفعول به في يدخله (وجاء بالجمع مراعاة لمعنى "مَن"، كما أفرد في يدخله مراعاة للفظها).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن فصل سبحانه أحكام المواريث بياناً لا يدع مجالاً للشك، أعقب ذلك بالتنبيه على عظمة هذه الأحكام وأنها حدود مقدسة، محذراً من تجاوزها، ومرغباً في الالتزام بها بوعد الجنات والخلود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الربط بين طاعة الله ورسوله في المواريث وبين دخول الجنة دليل قاطع على أن الأحكام المالية والمدنية في الإسلام ليست قوانين وضعية منفصلة عن العقيدة، بل هي صلب الدين ومن لوازم الإيمان، فمن جحد حكماً قطعياً من أحكام الميراث أو بدله بدعوى الحداثة فقد خرج عن ربقة الطاعة واستحق الوعيد.