سبب النزول: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: {فما لكم في المنافقين فئتين}، رقم ٤٥٨٩)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٨٩ ومسلم في صحيحه (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، رقم ٢٧٧٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٧٦ عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه (وهم عبد الله بن أبي بن سلول وثلاثمائة من المنافقين)، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، هم مؤمنون! فأنزل الله عز وجل: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة».
روى الطبري (ج ٨، ص ٧١٥)مصدر غير محدد٨/٧١٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن فرقة أخرى نزلت في قوم بمكة تظاهروا بالإسلام ثم خذلوا وارتدوا.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فِئَتَيْنِ
الفئة هي الجماعة والفرقة المنحازة إلى رأي أو مذهب، من الفأو وهو القطع.
أَرْكَسَهُم
الرَّكس قلب الشيء على رأسه أو رده إلى أوله؛ أي ردهم الله ونكسهم في أحكام الكفر والضلال بسبب نفاقهم وكسبهم الخبيث.
سَبِيلًا
طريقاً إلى الهداية والحق.
فَمَا لَكُمْ
الفاء استئنافية، ما اسم استفهام مبتدأ، ولكم خبر.
فِي الْمُنَافِقِينَ
متعلق بحال محذوفة أو بفئتين.
فِئَتَيْنِ
حال منصوبة بالياء من الضمير المجرور في "لكم" (أي ما لكم متفرقين فئتين في شأنهم؟).
أَرْكَسَهُم
فعل ماض، والهاء مفعول به، واسم الجلالة فاعل، والجملة حالية بتقدير قد أو مستأنفة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء هذا العتاب الإلهي الحكيم ليوحد الرؤية السياسية والعقدية للصف المسلم؛ فبعد أن أبان الله صفات المنافقين وإذاعتهم للأسرار وتبييتهم المكر، حسم الخلاف الداخلي بين الصحابة حول تصنيف هؤلاء المخذلين؛ مبيناً أن نكوصهم عن أحد كشف عوارهم ونكسهم في الكفر، فلا محل للتردد في شأنهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سنة الإضلال والانتكاس الجزائي: الآية تقرر أن إضلال الله للعبد ليس ظلماً ابتداءً، بل هو عقوبة عادلة مسببة بكسب العبد واختياره النفاق والخذلان؛ لقوله: {بِمَا كَسَبُوا}؛ فمن أعرض عن نور الوحي ونكص على عقبيه في مواطن الجهاد طبع الله على قلبه ونكس بصيرته؛ فالجزاء من جنس العمل، ولا يملك أحد هداية من قضى الله عليه بالضلال لفساد طويته.
الاستفهام الإنكاري المزدوج: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} ثم {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ}؛ لإنهاء أي انقسام داخلي في الرأي تجاه الخونة، وقطع الآمال العاطفية في استصلاح من تلوث قلبه بالنفاق المستحكم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توحيد الموقف الداخلي للأمة تجاه قضايا الخيانة والتخذيل، وعدم التعاطف مع المرجفين.
الحذر من خطوات النفاق والحرص على نقاء السريرة لئلا يبتلى العبد بالانتكاس وسلب الهداية.