أخرج الطبري (ج ٩، ص ٤٤٩-٤٥٦)مصدر غير محدد٩/٤٤٩ وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس قال: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من قريش واليهود فقالوا: سألنا عنك اليهود وأهل التوراة فزعموا أنهم لا يجدون لك ذكراً، ولا يشهد لك أحد بما تقول! فأنزل الله تعالى كافياً لنبيه وناصراً له: {لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا}.
وروى أحمد والترمذي وصححه عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان علو هذه الشهادة: «قل أي شيء أكبر شهادة؟ قل الله شهيد بيني وبينكم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بِعِلْمِهِ
الباء للملابسة أو السببية؛ أي أنزله مشتملاً على علمه الإلهي الذي لا يحيط به غيره من أحكام وحقائق ومغيبات وحِكم، أو أنزله وهو عالم بأهليتك للرسالة وحملك للأمانة.
وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا
الكفاية هي الاستغناء التام بالله عن كل شاهد وسند.
لَّٰكِنِ
حرف استدراك مهمل لتسكين نونه، وكُسرت النون لالتقاء الساكنين.
اللَّهُ
مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
يَشْهَدُ
فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
الباء حرف جر زائد لفظاً لتزيين اللفظ، اسم الجلالة مجرور لفظاً مرفوع محلاً على أنه فاعل كفى.
شَهِيدًا
تمييز منصوب بالفتحة، أو حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الالتفات المعجز لكسر شوكة المكذبين:
جاء الاستدراك بـ {لَّٰكِنِ} بعد أن حكى القرآن تعنت اليهود وكتمانهم للشهادة في حق نبوته؛ فأسقط القرآن شهادتهم المنعدمة بالكلية، ونقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقام الأسمى الذي تتصاغر أمامه شهادات البشر؛ شهادة رب العالمين الخالق العليم مقرونة بشهادة الملائكة الكرام الأبرار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
كيف تكون شهادة الله تعالى على إنزال القرآن؟:
برهن الإمام فخر الدين الرازي (ج ١١، ص ١٢٨)مصدر غير محدد١١/١٢٨ وابن القيم: أن شهادة الله لنبيه بالقرآن قامت بأوجه قطعية يدركها العقل:
شهادته الفعلية بالإعجاز: حيث تحدى الله فحول الفصحاء والبلغاء أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا على مر العصور؛ وتأييده بالمعجزات شهادة فعلية منه جل وعلا بصدقه.
شهادته بمضمون الكتاب: باحتوائه على كمال التوحيد، ونقاء الشريعة، والأنباء الغيبية الصادقة التي لا يعلمها إلا الله، وتنزيهه عن الاختلاف والتناقض؛ فكان الكتاب في ذاته شاهداً بعلم منزله.