حتمية الموت وانقطاع الحيل: قال مجاهد وقتادة وابن عباس: يقول الله لهؤلاء الجبناء الذين يكرهون القتال فراراً من القتل: إن الموت نازل بكم لا محالة في أجله المكتوب، ولو تحصنتم في قصور منيعة وحصون عالية محكمة في السماء؛ فالفرار من الجهاد لا يطيل عمراً، والإقدام لا ينقص أجلاً.
تطير المنافقين واليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم: أخرج الطبري (ج ٨، ص ٦٢٥)مصدر غير محدد٨/٦٢٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد قالا: كان المنافقون واليهود بالمدينة إذا أصابهم خصب ورخاء وصحة قالوا: هذا من عند الله، وإذا أصابهم جدب وقحط وهزيمة في قتال قالوا: هذا بشؤم محمد وما جاءنا به! فتطيروا به كما تطير آل فرعون بموسى عليه السلام، فأنزل الله رداً عليهم: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَيْنَمَا
اسم شرط جازم يدل على عموم الأمكنة والجهات.
بُرُوجٍ
البروج الحصون المنيعة والقلاع المشرفة العالية.
مُّشَيَّدَةٍ
مشيدة بالجص والشيد، ومرفوعة البنيان محكمة التحصين.
حَسَنَةٌ
نعمة ورخاء ونصر وغنيمة وخصب.
سَيِّئَةٌ
شدة وبلية وبلاء وقحط وهزيمة.
أَيْنَمَا
اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بيتكونوا أو بيدرككم.
تَكُونُوا
فعل الشرط مجزوم بحذف النون، والواو فاعل (كان تامة).
الواو حالية، لو شرطية وصلية تفيد المبالغة في الغاية.
قُلْ كُلٌّ
قل فعل أمر، كل مبتدأ والتنوين عوض عن مضاف محذوف (أي كل حسنة وسيئة)، و{مِّنْ عِندِ اللَّهِ}: خبر شبه جملة.
فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ
الفاء استئنافية تعجيبية، ما اسم استفهام مبتدأ، ولهؤلاء جار ومجرور خبر، والقوم بدل.
لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ
لا نافية، يكادون مضارع من أفعال المقاربة واسمها الواو، وجملة يفقهون خبرها، و{حَدِيثًا}: مفعول به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هدم عقائدي وتفكيك نفسي لأوهام الجبناء والمتطيرين؛ فبدأ بتقرير حتمية الموت في أي بقعة لإبطال حجة الهروب من الجهاد، ثم فضح تطيرهم الشركي بالنبي صلى الله عليه وسلم ورد الأمور كلها إلى قضاء الله وقدره، وختم بالتعجيب من غلظة عقولهم وضعف فقههم للسنن الإلهية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مسألة القضاء والقدر في قوله {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ}: الآية تقرر أصلاً عقدياً إيمانياً حاسماً عند أهل السنة والجماعة: أن كل ما يقع في الكون من خير وشر، ونعمة وبلاء، ورخاء وشدة، هو بقضاء الله وقدره وخلقه ومشيئته التامة؛ لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، خلافاً للمعتزلة والقدرية؛ فالخلق والتقدير لله وحده، والتطير بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بغيره جهل محض وضلال؛ فالأقدار كلها بيده سبحانه.
المبالغة بـ "لو" الوصلية في {وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}: لإبراز استحالة الإفلات من الأجل؛ فلو استطاع الإنسان أن يبني بروجاً تحميه من السهام لما حمته من ملك الموت إذا جاء الأجل.
التعجيب في الفاصلة: {فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} تصوير للبلادة العقلية وانغلاق البصيرة عن إدراك الحقائق الكونية البديهية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الشجاعة والإقدام في ميادين الحق والواجب، واليقين بأن الآجال بيد الله لا يقربها جهاد ولا يبعدها فرار.
التوكل على الله ونبذ التطير والتشاؤم، والرضا بالقضاء والقدر في السراء والضراء.