أخرج النسائي في "التفسير" من سننه الكبرى (ج ٦، ص ٣٦٠)مصدر غير محدد٦/٣٦٠ والطبري (ج ٩، ص ٣٦٩-٣٧٥)مصدر غير محدد٩/٣٦٩ وابن أبي حاتم وابن كثير (ج ٢، ص ٤٤٨)مصدر غير محدد٢/٤٤٨صحيح بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج إلى أصحابه -وهم اثنا عشر رجلاً من الحواريين- في بيت، فنبعت من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، فقال لهم: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يُلقى عليه شبهي فيُقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سناً، فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام ذلك الشاب، فقال له عيسى: اجلس، ثم أعاد فقام الشاب فقال: أنا، فقال له: هو أنت، فأُلقي عليه شبه عيسى ورُفِع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء. فجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه وصلبوه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْمَسِيحَ
لقب عيسى عليه السلام، سُمي به لمسحه الأرض بالسياحة، أو لأنه كان يمسح الأكمه والأبرص فيبرأ بإذن الله، أو لأنه مُسح بالبركة والطهارة.
شُبِّهَ لَهُمْ
أُلقي شبهه ومثاله وصورته على غيره فظنوه هو. وقيل: التبس عليهم الأمر واشتبه الحادث.
يَقِينًا
حال مؤكدة لانتفاء القتل، أو مفعول مطلق مؤكد، أي: وما قتلوه قتلاً متيقناً، أو ما ثبت لهم يقين في قتله بل كانوا شاكين متخبطين.
وَقَوْلِهِمْ
معطوف على ما قبله.
إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ
جملة مقول القول في محل نصب؛ إنا حرف ناسخ ونا اسمها، وقتلنا فعل وفاعل، والمسيح مفعول به، وعيسى بدل أو عطف بيان، وابن نعت أو بدل ثانٍ ومريم مضاف إليه، ورسول نعت أو حال على سبيل التهكم منهم أو حكاية لصفته الحقيقية.
وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ
جملتان حاليتان أو استئنافيتان لنقض دعواهم وإبطالها.
وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ
لكن حرف استدراك ونصب أو حرف عطف، شُبه فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعله، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره الشخص المصلوب، أو المصدر المفهوم من الفعل أي شُبه الشبه.
مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ
ما نافية، لهم خبر مقدم، من حرف جر زائد للاستغراق، علم مبتدأ مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً.
إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ
استثناء منقطع؛ لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم، منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الهدم القرآني للعقيدة المؤسسة لصلب المسيح:
هذه الآية تمثل أحد أعظم المفارق العقدية والتاريخية الكبرى في القرآن الكريم؛ حيث قضى القرآن قضاء فاصلاً لا ريب فيه بنجاة نبي الله عيسى عليه السلام من مؤامرة القتل والصلب، وكذّب دعوى اليهود في التبجح بقتله، وكذّب في الوقت عينه ما بنى عليه النصارى عقيدتهم في الفداء والصلب، راداً الأمر إلى الشك والظن والالتباس الواقع في صفوفهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يقع التباس مصلوب بأكمله على جماعة من الناس دون أن يفطنوا؟:
يدفع الإشكال: تاريخ المحاكمات العسكرية والاضطرابات الميدانية يثبت إمكانية الالتباس لأسباب بديهية:
تمت الواقعة ليلاً في مكان مغلق أو مظلم، وسط فوضى وتدافع وجنود رومانيين غرباء لا يعرفون ملامح عيسى شخصياً، بل اعتمدوا على إشارة الواشي (يهوذا الإسخريوطي بحسب الأناجيل نفسها).
اضطراب روايات الأناجيل نفسها وتناقضها الصارخ في كلمات المصلوب وهويته وحركته ووقت صلبه وأقواله وسيرته أثناء المحاكمة؛ مما يؤكد ما قرره القرآن حرفياً: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ}.