سبب النزول وقصة عياش بن أبي ربيعة: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٩، ص ١٠-٣٥)مصدر غير محدد٩/١٠ وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن مجاهد وعكرمة والسدي أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي (أخا أبي جهل لأمه) أسلم وهاجر، فخرج إليه أبو جهل والحارث بن هشام والحارث بن يزيد بن أنيسة، فخدعوه حتى ردوه إلى مكة وعذبوه وأوثقوه، وكان الحارث بن يزيد يشتد في تعذيبه، فحلف عياش لئن رآه ليقتلنه، ثم هاجر الحارث بن يزيد بعد ذلك مسلماً، فرآه عياش بظاهر المدينة ولم يعلم بإسلامه، فظنه على كفره فشد عليه فقتله! ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بإسلام الحارث، فنزلت هذه الآية الكريمة تبين حكم القتل الخطأ وكفارته وديته.
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ أبو جعفر: {إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا} بتخفيف الصاد (يَصْدُقوا) من الصدق.
وقرأ الباقون: {يَصَّدَّقُوا} بتشديد الصاد والدال إدغاماً للتاء في الصاد (يتصدقوا) من التصدق بالعفو عن الدية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَمَا كَانَ
صيغة نفي للشأن تفيد التحريم البات والبطلان الشرعي؛ أي لا ينبغي ولا يحل ولا يتأتى لمؤمن أن يقتل أخاه.
إِلَّا خَطَأً
استثناء منقطع؛ أي لكن إن وقع منه ذلك على وجه الخطأ المحض غير المتعمد.
فَتَحْرِيرُ
عتق وإطلاق الرقبة من أسر العبودية.
دِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ
المال المقدر شرعاً المؤدى إلى ورثة المقتول جبراً لخاطرهم وعوضاً عن دمه، وتتحملها العاقلة تخفيفاً عن القاتل خطأً.
وَمَا كَانَ
ما نافية، كان فعل ماض ناقص، {لِمُؤْمِنٍ}: خبرها مقدم.
أَن يَقْتُلَ
مصدر مؤول في محل رفع اسم كان مؤخر.
إِلَّا خَطَأً
استثناء منقطع، وخطأً مفعول مطلق منصوب (أي قتلاً خطأً) أو حال.
فَتَحْرِيرُ
الفاء رابطة لجواب الشرط، تحرير مبتدأ مرفوع وخبره محذوف تقديره "فعليه تحرير رقبة" أو خبر لمبتدأ محذوف.
فَصِيَامُ
خبر لمبتدأ محذوف تقديره "فالواجب صيام"، أو مبتدأ.
تَوْبَةً
مفعول لأجله منصوب أو مفعول مطلق لفعل محذوف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تشريع جنائي معجز لصيانة الدماء؛ جاء في سياق تشريعات الحرب وأحكام قتال المنافقين والكفار؛ ليحذر المسلم من التهاون في إزهاق النفس المعصومة عند الاشتباه أو في ساحات الوغى، ويفصل أحكام القتل الخطأ بأصنافه الثلاثة بدقة متناهية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التفصيل الفقهي لأقسام القتل الخطأ الثلاثة في الآية:
١. المقتول مؤمن في دار الإسلام: يجب فيه "حق الله" بالكفارة (عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين)، و"حق العباد" بدية مسلمة إلى أهله إلا أن يعفوا ويتصدقوا.
٢. المقتول مؤمن من قوم أعداء حربيين (كالمسلم المقيم في دار الحرب): تجب فيه الكفارة فقط بحق الله؛ وتسقط الدية؛ لئلا يدفع مال المسلمين إلى قوم كفار حربيين يتقوون به على قتال المسلمين، ولأنه لا توارث بين مسلم وكافر.
٣. المقتول من قوم معاهدين (سواء كان المقتول مسلماً أو ذمياً معاهداً): تجب فيه الدية المسلمة وفاءً بالميثاق، وتجب فيه الكفارة؛ وفي هذا أعظم برهان على احترام الإسلام لعهود الأمم وحرمة دماء المعاهدين.
نفي الإمكان في {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ}: نفي الشأن أبلغ من مجرد النهي؛ للدلالة على أن الإيمان الحق يتنافى ذاتياً مع سفك دم المؤمن؛ فالقتل لا يصدر من مؤمن صادق إلا على سبيل الغلط والخطأ المحض.
التعبير بالعفو بالتصدق {إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا}: ترغيب بليغ لأولياء المقتول في العفو وجعله صدقة وقربة إلى الله تثاب عليها النفوس في أعلى المقامات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم حرمة الدماء والحذر الشديد من حوادث القتل الخطأ (كحوادث السير وإهمال السلاح) وتعلم أحكام الديات والكفارات.
الحرص على التوبة والصيام المتتابع عند ارتكاب القتل الخطأ لتطهير الذمة من تبعات إتلاف النفوس.