الغرور الشيطاني وسراب الأوهام: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٩، ص ٣١٥)مصدر غير محدد٩/٣١٥ عن قتادة وابن عباس قالا: يعدهم الشيطان بالباطل؛ يعدهم النصرة والغلبة في الدنيا، ويعدهم بعدم البعث أو بالنجاة في الآخرة، ويمنيهم الأماني الفارغة ويعدهم الفقر عند الإنفاق، وما وعوده وأمانيه إلا غرور وباطل وسراب لا حقيقة له؛ كقوله تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَعِدُهُمْ
الوعد هنا تعليق النفس بحدوث أمر مرغوب فيه مستقبلاً.
يُمَنِّيهِمْ
إلقاء صور التمني الكاذب في الخيال كتحصيل الثروة والخلود والسلامة من العقاب.
غُرُورًا
الغرور في اللغة الخديعة والباطل الذي يظهر حسناً وباطنه الهلاك، مأخوذ من الغِرّة وهي الغفلة؛ أي يعدهم باطلاً خادعاً يسلب عقولهم.
يَعِدُهُمْ
مضارع والفاعل مستتر (هو) والهاء مفعول به، والجملة مستأنفة أو حالية.
وَيُمَنِّيهِمْ
معطوف عليه.
وَمَا
الواو حالية أو استئنافية، ما نافية.
يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ
فعل ومفعول وفاعل.
إِلَّا
أداة حصر.
غُرُورًا
مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي وعداً غروراً) أو حال منصوبة، أو مفعول لأجله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف قرآني لآلية التضليل النفسي التي يستعملها إبليس؛ فبعد أن بين مخططاته الجنائية والتشريعية، كشف عن وسيلته الكبرى وهي: "صناعة الوهم" وبيع الغرور؛ ليزيل الغشاوة عن عيون المخدوعين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الحرب النفسية الشيطانية: الآية تضع تشخيصاً منطقياً مبهراً؛ فالشيطان لا يملك خزائن مال، ولا يملك جنداً يقهرون العباد، وإنما رأس ماله هو "الوعد الكاذب والغرور"؛ فإذا فقه العبد هذه الحقيقة وتيقن بأن كل خاطر شيطاني يثبط عن الخير أو يرغب في الحرام هو سراب كاذب، سقط كيد الشيطان وبطل مفعوله؛ فالمعركة في جوهرها معركة وعي ويقين.
الحصر بـ {وَمَا... إِلَّا غُرُورًا}: لنفي أي نفع أو صدق في أي وعد يصدر عن إبليس وأعوانه؛ فتسمية كل ما يعد به "غروراً" كافية لإسقاط قيمته وتزهيد النفوس في الإصغاء إليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الحذر من خواطر اليأس، والخوف من الفقر، والأماني الباطلة التي يلقيها الشيطان في الصدر.
التمسك بوعد الله الحق الصادق في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.