وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
مخادعة المنافقين وجزاؤها: قال ابن عباس وقتادة والحسن ومجاهد: يخادعون الله بإظهار الإيمان وإبطان الكفر حقناً لدمائهم وأموالهم في الدنيا، والله خادعهم بإجراء أحكام الإسلام عليهم في الظاهر مع إعداد الدرك الأسفل لهم في الباطن، وبإعطائهم نوراً على الصراط يوم القيامة ثم إطفائه فيتردون في الظلمات؛ جزاء مخادعتهم.
صفة صلاة المنافقين: أخرج مسلم في صحيحه (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالعصر، رقم ٦٢٢)مصدر غير محددحديث رقم ٦٢٢ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً».
أخرج البخاري (رقم ٦٥٧)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٧ ومسلم (رقم ٦٥١)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥١ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يُخَادِعُونَ
المخادعة إظهار خلاف ما يبطن بقصد إيقاع الخصم في الغفلة واغتياله.
وَهُوَ خَادِعُهُمْ
مجازيهم على خديعتهم بما يسوءهم ويفضحهم، ومقابلة المكر بمكر أعظم عدلاً وحكمة.
كُسَالَىٰ
جمع كسلان، وهو التثاقل عن الطاعة بغير رغبة ولا انشراح صدر ولا احتساب للأجر.
يُرَاءُونَ
من الرياء، وهو إظهار الصلاة ليراهم الناس فيحمدوهم ويسلموا من النقد.
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ
إن واسمها، وجملة {يُخَادِعُونَ}: خبرها.
وَهُوَ خَادِعُهُمْ
الواو حالية، هو مبتدأ، وخادعهم خبر مضاف، والجملة في محل نصب حال مؤكدة لعدالة الجزاء.
قَامُوا كُسَالَىٰ
فعل وفاعل، وكسالى حال منصوبة بفتحة مقدرة.
يُرَاءُونَ
جملة حالية ثانية.
وَلَا يَذْكُرُونَ
معطوف حالي، و{إِلَّا قَلِيلًا}: إلا حصر، وقليلاً نعت لمصدر محذوف (أي ذكراً قليلاً) أو حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير حركي وسلوكي ونفسي ينفذ إلى خفايا صلاة المنافقين؛ فبعد أن بين خيانتهم في الولاء الخارجي، كشف هنا عجزهم في أشرف ميادين العبادة وهي "الصلاة"؛ ليعلم المسلم كيف تنعكس أمراض القلوب على جوارح العابد وتفسد عليه طاعته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق صفة "المخادعة" في حق الله تعالى: أهل السنة والجماعة يفسرون قوله {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} ومثله {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} بأنها صفة كمال في سياق المقابلة والجزاء العادل؛ فلا تطلق على الله استقلالاً، بل مقيدة بمقابلة مكر الماكرين وخداع الخائنين؛ فخداع الله لهم هو استدراجهم، وإملاؤهم بالمهلة، ثم مجازاتهم بالخزي المفاجئ الذي لم يحتسبوه؛ وهذا غاية العدل والعزة والحكمة.
التحذير من الكسل في الصلاة ونقرها: الآية تضع ميزاناً ذاتياً لكل مسلم لمحاسبة نفسه: فالكسل عن الصلاة، وتأخيرها عن وقتها، ونقرها كنقر الغراب دون خشوع، وحضورها رياءً، من أخص صفات المنافقين؛ فيجب على المؤمن مجاهدة نفسه وإتيان الصلاة بهمّة وخشوع وتدبر.
المشاكلة اللفظية البديعة في {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}: لبيان أن كل حيلة يمكر بها المنافق مردودة عليه بالوبال والخزي.
التقليل في {إِلَّا قَلِيلًا}: إشارة إلى أن ذكر المنافق قليل المقدار لخلوه من الإخلاص والخشوع، أو قليل الزمان؛ إذ لا يذكر الله إلا إذا كان بين الناس رياءً وتسميعاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المسارعة إلى الصلاة عند سماع الأذان بهمة ونشاط، وإسباغ الوضوء وحسن الخشوع.
تطهير القلب من الرياء، وإطالة الركوع والسجود وكثرة ذكر الله في الخلوات.