سبب النزول وعادة الجاهلية: أخرج ابن جرير الطبري (ج ٨، ص ١٣٦)مصدر غير محدد٨/١٣٦ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي قالا: كان أهل الجاهلية إذا مات الرجل كان ابنه أحق بامرأة أبيه (زوجة أبيه التي ليست بأمه)، إن شاء نكحها، وإن شاء عضلها حتى تموت فيرثها؛ فنزل قوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ}. وكان هذا النكاح يسمى في الجاهلية "نكاح المقت"، ويسمى الولد الناتج عنه "المقيتي".
عقوبة من فعل ذلك في الإسلام: أخرج أحمد في مسنده (رقم ١٨٥٣٥)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٥٣٥، وأبو داود (رقم ٤٤٥٧)مصدر غير محددحديث رقم ٤٤٥٧، والترمذي (رقم ١٣٦٢)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٦٢ وصححه، والنسائي عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «لقيت خالي الحارث بن عمرو ومعه الراية، فقلت: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، أن أضرب عنقه وأصفي ماله (أي آخذ خمسه لله ورسوله)».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَا نَكَحَ
"ما" موصولة أريد بها جنس النساء، أو مصدرية أي نكاح آبائكم، والأول أظهر لقوله {مِّنَ النِّسَاءِ}.
إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ
استثناء منقطع، أي لكن ما مضى في الجاهلية قبل التحريم معفو عنه ومغفور بالتوبة والإسلام.
مَقْتًا
المقت أشد البغض والكره، ومقت الله أعظم البغض.
وَسَاءَ سَبِيلًا
بئس الطريق والمسلك الذي يُسلك.
وَلَا تَنكِحُوا
لا ناهية جازمة، تنكحوا مضارع مجزوم بحذف النون.
مَا
اسم موصول في محل نصب مفعول به.
إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً
إن واسمها، كان واسمها وخبرها الأول {فَاحِشَةً}، و{مَقْتًا} خبر ثان أو معطوف، والجملة تعليل للنهي.
وَسَاءَ سَبِيلًا
ساء فعل ماض للذم، والفاعل مستتر، و{سَبِيلًا} تمييز منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج القرآن العظيم في تطهير الأسرة والمجتمع؛ فبعد أن حفظ الحقوق المالية للمرأة، شرع في تحريم الأنكحة الفاسدة التي كانت سائدة في الجاهلية، فبدأ بنكاح زوجات الآباء لما فيه من الشناعة البالغة والتعدي على حرمة الوالدية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحريم زوجة الأب بمجرد العقد: اتفق أئمة الفتوى ومذاهب الأمة الأربعة على أن مجرد عقد الأب على المرأة يحرمها على أبنائه تحريماً مؤبداً، دخل بها الأب أو لم يدخل؛ لأن الآية علقت الحكم بـ {مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم} والنكاح يطلق حقيقة على العقد؛ صيانة لحرمة الأب ومقامه السامي عن مزاحمة البنين.
دفع شبهة توارث النساء: القضاء القاطع على المنطق الجاهلي الذي كان يتعامل مع المرأة كسلعة موروثة تسلب إرادتها وكرامتها الإنسانية.
الذم الثلاثي المتتابع: اجتمع في الآية ثلاثة أوصاف من أغلظ ما يذم به منكر: {فَاحِشَةً} (لقبحه في العقول)، و{مَقْتًا} (لجلب البغض الإلهي والاجتماعي)، و{سَاءَ سَبِيلًا} (لكونه طريقاً يفضي إلى الهاوية وقطيعة الأرحام).
استعمال "ما" لغير العاقل في قوله: {مَا نَكَحَ} للدلالة على تنزيل تلك الفئة في الجاهلية منزلة الشيء والمتاع، فجاء التعبير على وفق ما كانوا يعاملونهن به تذكيراً بالشناعة ثم ترفيعاً لهن عن ذلك الامتهان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توقير مقام الوالدين وبرهم في حياتهم وبعد مماتهم وصيانة حرماتهم.
تطهير المجتمعات من العادات والتقاليد الفاسدة الموروثة التي تخالف صريح الشريعة ومقتضى الفطرة النقية.