وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وسياق آية الكلالة الصيفية:
أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٤٥٧٧ و ٦٧٢٣) ومسلم (رقم ١٦١٦)مصدر غير محددحديث رقم ١٦١٦ من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «اشتكيتُ فجاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعودانِي في بني سلمة ماشيين، فوجدني لا أعقل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ ثم رش عليّ منه فأفقت، فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ كيف أقضي في مالي؟ فنـزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ}».
وروى البخاري في "صحيحه" (رقم ٤٦٠٥)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٠٥ عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «آخر سورة نزلت كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ}».
وروى مسلم (رقم ١٦١٧)مصدر غير محددحديث رقم ١٦١٧ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «ما راجعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها حتى طعن بأصبعه في صدري وقال: يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَسْتَفْتُونَكَ
الاستفتاء هو طلب الفتيا والبيان للحكم الشرعي في نازلة مبهمة.
الْكَلَالَةِ
مشتقة من الإكليل وهو ما يحيط بالرأس من جوانبه ولا يعلو وسطه؛ فالكلالة في الميراث: من مات وليس له والد (أصل) ولا ولد (فرع)؛ أي من يرثه قرابته الحواشي (الإخوة والأخوات) الذين يحيطون به إحاطة الإكليل بالرأس.
هَلَكَ
مات وفارق الحياة الدنيا.
وَلَدٌ
يشمل في لغة العرب الذكر والأنثى؛ ولكن دلت السنة وإجماع الصحابة على أن المراد بالولد هنا الذي يسقط الإخوة الأشقاء هو الولد المذكر، أما البنت فإنها تأخذ فرضها ويأخذ الإخوة الباقي تعصيباً.
يَسْتَفْتُونَكَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والكاف مفعول به.
قُلِ
فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر.
اللَّهُ يُفْتِيكُمْ
جملة مقول القول؛ الله مبتدأ، وجملة يفتيكم خبره، وفي الكلالة متعلق بيفتيكم.
إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ
إن شرطية جازمة وحركت نونها بالكسر لالتقاء الساكنين؛ امرؤ فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده على مذهب البصريين، أي: "إن هلك امرؤٌ هلك".
لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ
جملة في محل رفع نعت لامرؤ، أو حال؛ له خبر ليس مقدم، وولد اسمها مؤخر.
وَلَهُ أُخْتٌ
الواو للحال، له خبر مقدم وأخت مبتدأ مؤخر.
فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، لها خبر مقدم، نصف مبتدأ مؤخر، وما اسم موصول مضاف إليه، وجملة ترك صلة الموصول؛ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
وَهُوَ يَرِثُهَا
الواو عاطفة، هو مبتدأ وجملة يرثها خبره.
إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ
جملة شرطية وجوابها محذوف دل عليه ما قبله.
فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ
كانتا فعل ماض ناقص والألف اسمها واثنتين خبرها منصوب بالياء.
تناسقت هذه الآية الكريمة مع صدر السورة بأدق صور الإعجاز النظمي:
بدأت سورة النساء بالوصية بالأرحام والضعفاء واليتامى والأموال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ}.
ثم ذكرت في مطلعها أحكام المواريث والفرائض في الآيات (١١ و ١٢)، وتضمنت الآية (١٢) حكم الكلالة للإخوة من الأم {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ...}.
ثم خُتمت السورة بهذه الآية العظيمة مبيّنة حكم الكلالة للإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب؛ فاكتمل التشريع المالي والميراثي لأركان الأسرة وبنيان المجتمع الإسلامي؛ فالتأم الختام بالمطلع في نسق تشريعي رباني محكم لا ثلمة فيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التفرقة بين آية الكلالة في أول السورة وآية الكلالة في ختامها:
يدفع الإشكال: حرر الصحابة والفقهاء وأئمة التفسير -كابن عباس والزهري والشافعي وأحمد بن حنبل- وجه التفرقة البيّن بين الآيتين:
آية الكلالة في أول السورة (الآية ١٢): نزلت في الإخوة والأخوات "من الأم" بإجماع أهل العلم ودلالة قراءة سعد بن أبي وقاص التفسيرية {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ}؛ ولذلك ساوى الله فيها بين الذكر والأنثى {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}، وجعل فرض الواحد منهم السدس دون زيادة.
آية الكلالة في ختام السورة (الآية ١٧٦): نزلت في الإخوة والأخوات "الأشقاء أو لأب"؛ ولذلك جعل للأخت الواحدة النصف، وللأختين الثلثين، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين عند الاجتماع؛ لقرابة النسب والعصبة والتفاضل في أعباء النفقة والجهاد. فبطل كل زعم يدعي التناقض أو التكرار، وتبين كمال الإحكام والبيان الفقهي المعجز.
إسناد الفتوى إلى ذاته العلية {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ}: تعظيم فائق لشأن الفرائض والمواريث وقسمتها؛ فلم يَكِل الله قسمة الأموال والمواريث إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل تولى بيانها وفرضها بذاته العلية؛ وختام السورة بـ {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} يغرس في النفوس الرضا التام واليقين بأن أحكامه وتشريعاته مبنية على العلم المحيط المطلق بحاجات البشر ومصالحهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب تعظيم أحكام الفرائض والمواريث والالتزام الدقيق بقسمتها الشرعية كما أنزلها الله، والحذر من حرمان النساء أو الحواشي من حقوقهم المقررة.
استشعار كمال الشريعة الإسلامية وجمالها التشريعي الذي حمى حقوق الإنسان والأسرة من المهد إلى اللحد ومن التملك إلى التوريث، مما يملأ قلب المسلم عزةً وافتخاراً بدينه الحنيف.