سبب النزول وردة طعمة بن أبيرق: أخرج الطبري (ج ٩، ص ٢٦٠)مصدر غير محدد٩/٢٦٠ وابن أبي حاتم عن قتادة والضحاك والسدي: لما نزل القرآن بفضح طعمة بن أبيرق وتبرئة اليهودي، هرب طعمة من المدينة إلى مكة وارتد عن دين الإسلام، ونزل على سلافة بنت سعد بن سميع، فشاقق الرسول وفارق جماعة المؤمنين؛ فأنزل الله فيه: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ}.
الاستدلال بالآية على حجية الإجماع: استنبط الإمام الشافعي رحمه الله تعالى من هذه الآية الكريمة دلالة قطعية على حجية إجماع الأمة؛ حيث روى البيهقي وابن كثير والمزني أن الشافعي رضي الله عنه سئل عن حجة الإجماع من كتاب الله تعالى، فقرأ القرآن وتدبره مراراً حتى وقف على هذه الآية؛ فاستدل بقرن الله سبحانه بين مشاقة الرسول وبين اتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد بالنار على أن اتباع سبيل المؤمنين (وهو إجماعهم) واجب وفرض حتمي، وأن الخروج عن إجماعهم المحكم محرم كمعصية الرسول.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يُشَاقِقِ
المشاقة مأخوذة من الشِّق، وهو أن يصير المرء في شق وجانب يخالف شق الرسول ومنهجه؛ أي يعانده ويخرج عن طاعته.
سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ
طريق الصحابة والمؤمنين ومنهجهم العقدي والعملي وإجماعهم المستقر في الدين.
نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ
نكله إلى ما اختاره لنفسه من الضلال ونتركه في غيه وأوليائه من الشياطين دون توفيق.
وَنُصْلِهِ
ندخله ونذيقه حر جهنم وسعيرها.
وَمَن يُشَاقِقِ
اسم شرط جازم مبتدأ، يشاقق فعل الشرط مجزوم بالسكون وحرك بالكسر للساكنين، والرسول مفعول به.
وَيَتَّبِعْ
معطوف مجزوم، و{غَيْرَ}: مفعول به.
نُوَلِّهِ
جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والهاء مفعول أول، و{مَا}: اسم موصول مفعول به ثان.
وَنُصْلِهِ
معطوف مجزوم بحذف حرف العلة، وجهنم مفعول ثان.
وَسَاءَتْ مَصِيرًا
ساء فعل ذم، والفاعل مستتر، ومصيراً تمييز منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحذير مروع من مآلات العناد والاستكبار؛ فبعد أن بين سبل النجاة والتوبة في الآيات السابقة، حسم عاقبة من أصر على الكبر ومفارقة جماعة المسلمين ومشاقة النبي صلى الله عليه وسلم بعد ظهور الأدلة والبراهين القاطعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حجية إجماع الأمة وسلامة طريق المؤمنين: الآية تؤصل أصلاً عقدياً وتشريعياً جليلاً؛ فالأمة المحمدية معصومة من الاجتماع على ضلالة بنص الحديث النبوي: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة»؛ ولذلك جعل القرآن اتباع غير سبيل المؤمنين موجباً للخلود في النار وقرنه بمشاقة الرسول؛ فالشذوذ عن القواعد القطعية التي أجمعت عليها سلف الأمة خروج عن جادة الصواب وانحراف يقود إلى الهاوية.
الاستدراج وسنة الخذلان الجزائي في {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ}: الآية تبين عدالة الله في عقاب المعاندين؛ فالله لا يظلم أحداً، بل يترك العاصي المستكبر لما اختاره لنفسه من الهوى والشياطين، فيسلب عنه التوفيق ويزين له سوء عمله حتى يتردى في نار جهنم.
المشاكلة اللفظية البديعة في {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ}: جزاء وفاق لعمله؛ فكما تولى عن الهدى وانحاز للباطل، ولاه الله ذلك الباطل ووكله إليه وتركه في عماه.
تقييد المشاقة بـ {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ}: لبيان أن هذا الوعيد إنما يستحقه من عاند وكفر عن علم واستبصار لا عن جهل وتأول خفي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
لزوم هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين وإجماع الصحابة وأئمة الهدى.
الحذر من الآراء الشاذة والبدع المحدثة التي تصادم ما استقرت عليه الأمة المسلمة عبر القرون.