الانتهازية السياسية والعسكرية للمنافقين: أخرج ابن جرير الطبري (ج ٩، ص ٥١٠-٥٢٥)مصدر غير محدد٩/٥١٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي قالوا: يصف الله تعالى المنافقين بالتربص الدائم؛ فهم يقفون على الحياد الخبيث يراقبون المعارك:
فإن نصر الله المؤمنين وظفروا بفتح وغنيمة قال المنافقون للمؤمنين كذباً: ألم نكن معكم وإخوانكم في الدين؟! فأعطونا نصيبنا من الغنيمة!
وإن أصاب الكافرين نصيب من الظفر قال المنافقون للكافرين سراً: ألم نستولِ على شؤونكم ونمدكم بالنصيحة والتثبيط للمسلمين ونحمكم من ضرباتهم؟! فكافئونا على خيانتنا!
معنى {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}:
القول الأول (مذهب علي بن أبي طالب وابن عباس في الرواية المشهورة): ذلك يوم القيامة بحكم الله؛ فلن يجعل للكافرين حجة ولا غلبة ولا نجاة على المؤمنين.
القول الثاني: في الدنيا أيضاً؛ فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً بالحجة والبرهان؛ فدليل الإسلام يعلو كل حجة؛ ولن يجعل لهم سبيلاً باستئصال الأمة واجتياحها بالكلية ما داموا متمسكين بإيمانهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَتَرَبَّصُونَ
التربص الانتظار والترقب الحذر لمآلات الأمور ودوائر الزمان لنيل المصالح.
فَتْحٌ
نصر مؤزر وغنيمة وظهور للدين.
نَصِيبٌ
حظ عارض مؤقت من الظفر أو إيقاع خسارة بالمسلمين، ولم يعبر بالفتح في حقهم لتحقير شأنهم.
نَسْتَحْوِذْ
الاستحواذ في اللغة الغلبة والاستيلاء والإحاطة بالشيء والسيطرة عليه.
سَبِيلًا
حجة قاهرة، أو سلطاناً دائماً، أو طريقاً للاستئصال.
الَّذِينَ
اسم موصول في محل رفع مبتدأ، وخبره جملة {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} أو بدل من المنافقين.
لن ناصبة تفيد التأبيد، يجعل مضارع منصوب، واسم الجلالة فاعل، و{سَبِيلًا}: مفعول به أول ليجعل مؤخر، وللكافرين متعلق بيجعل أو بحال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح قرآني عبقري للازدواجية ولعبة "مسك العصا من المنتصف" التي يمارسها المتربصون؛ فكشف حواراتهم المتقلبة بين الفسطاطين، ثم حسم المعركة بوعد إلهي قاطع بانتصار المؤمنين وسقوط سلطان الكافرين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دقة التعبير القرآني بين "الفتح" و"النصيب" ودفع شبهة هزيمة المسلمين أحياناً:
١. القرآن عبر في جانب المؤمنين بـ {فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ}؛ لأن انتصار المؤمنين نصر حقيقي وفتح دائم مبارك من عند الله.
٢. وعبر في جانب الكفار بـ {نَصِيبٌ}؛ تنبيهاً على أنه ظفر عارض مؤقت وابتلاء ممحص لا يدوم ولا يؤسس لفتح مستقر؛ فالأيام دول ولكن العاقبة للمتقين.
٣. نفي "السبيل" للكافرين على المؤمنين في الدنيا مشروط بتحقيق الإيمان الحقيقي؛ فإذا فرط المسلمون في إيمانهم أو تنازعوا قد يسلط عليهم العدو تأديباً وتمحيصاً؛ فإذا عادوا إلى إيمانهم انقطع سبيل الكافرين عنهم؛ كما استنبط الفقهاء من الآية حكماً قضائياً محكماً: عدم جواز ولاية الكافر على المسلم في النكاح، ولا في القضاء، ولا شراء العبد المسلم صيانة لعزة الإيمان.