وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وصلاة الخوف بعسفان: أخرج أحمد في مسنده (رقم ١٦٠٤٩)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٠٤٩، وأبو داود (رقم ١٢٣٦)مصدر غير محددحديث رقم ١٢٣٦، والنسائي (ج ٣، ص ١٦٧)مصدر غير محدد٣/١٦٧ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي عن أبي عياش الزرقي رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد (قبل إسلامه)، فصلينا الظهر، فقال المشركون: قد أصبنا غفلة لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة! فقال قائل منهم: إن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم (يعنون العصر)، فنزل جبريل بين الظهر والعصر بهذه الآية في صلاة الخوف: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنهُم مَّعَكَ...}، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف.
أخرج البخاري (رقم ٤١٢٩)مصدر غير محددحديث رقم ٤١٢٩ ومسلم (رقم ٨٤٢)مصدر غير محددحديث رقم ٨٤٢ عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف؛ فذكر صفة تقسيم الجيش إلى طائفتين تحرس إحداهما وتصلي الأخرى ركعة ثم تقضي وتخلفها الثانية.
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف هيئات متعددة (نحو ست صفات) بحسب موقع العدو من القبلة وشدة الخوف، وهذه الآية أصلها المحكم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ
صليت بهم صلاة الخوف جماعة بإمامتك.
طَائِفَةٌ
فرقة وجماعة من الجيش تكفي للقتال والحراسة.
فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً
يحملون عليكم حملة عسكرية صاعقة خاطفة واحدة يستأصلونكم بها وأنتم غافلون في الصلاة.
مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض في موضع رفع اسم كان أو خبرها أو بدل من جناح.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أعظم مشهد يجمع بين "كمال العبودية والافتقار لله بالصلاة" وبين "كمال اليقظة والاستعداد العسكري التام في مواجهة العدو"؛ فلم تسقط صلاة الجماعة حتى في أحلك ساعات التحام الجيوش ومواجهة السيوف؛ بل رتب القرآن نظام النوبات والمناوبات العسكرية المعجز داخل الصلاة ذاتها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مكانة الصلاة العظمى في الإسلام وعبقرية الانضباط: الآية تقطع بأنه لا عذر لمسلم في ترك الصلاة أو تأخيرها عن وقتها بحال؛ فإن لم تسقط عن المقاتل وهو يرى بريق سيوف العدو أمامه بل شرعت له هذه الكيفية المعقدة، فكيف يفرط فيها الصحيح المعافى في أوقات الرخاء؟! كما تبين الآية عبقرية التنظيم العسكري الإسلامي الذي يجمع بين التعبئة الروحية والتأهب الميداني.