تفسير تبديل الجلود واستمرار العذاب: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٨، ص ٤٩٢-٥٠٥)مصدر غير محدد٨/٤٩٢ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كلما احترقت جلودهم فصارت رماداً أعيدت جلوداً بيضاء نقية كهيئتها أول مرة فيعذبون بها».
أخرج الحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية فقال: «تبدل في اليوم واللحظة مائة مرة أو ألف مرة»، وقال الحسن البصري: «تنضجهم النار في اليوم سبعين ألف مرة، كلما أنضجتهم قيل لهم: عودوا، فتعود كما كانت».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نَضِجَتْ
النضج في اللغة وصول الشيء إلى غايته بالطبخ أو الإحراق واحتراق اللحم والجلد حتى يتلاشى حسه.
بَدَّلْنَاهُمْ
التبديل تغيير الشيء بغيره أو إعادة صفته الأولى بعد زوالها.
لِيَذُوقُوا
اللام لام التعليل، والذوق حقيقة الإحساس بالألم ومباشرته.
مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي بحذف النون، والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل مروع لقوله في الآية السابقة {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا}؛ حيث يصور القرآن أهوال هذا السعير تصويراً حسياً تهتز له الأبدان؛ ليبين أن العذاب دائم لا ينقطع بالاعتياد أو الفناء، بل يتجدد بتجدد الأسباب الحسية للألم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الإعجاز العلمي والتشريحي في اختصاص الجلد بالإحساس بالألم: الآية تشتمل على حقيقة علمية تشريحية باهرة لم تكن معلومة للبشرية وقت نزول القرآن؛ فقد أثبت علم التشريح والطب الحديث أن النهايات العصبية ومستقبلات الألم الحسي بالحرارة والبرودة تتركز أساساً في طبقات الجلد (الأدمة)، فإذا احترق الجلد تماماً وتلاشت نهاياته العصبية فقد المريض الإحساس بالألم؛ ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية في دوام العذاب تجديد تلك الجلود بنهاياتها الحية ليدوم تذوق العذاب والألم! وهذا برهان ساطع على ربانية المصدر وأنه كلام الخالق العليم بتركيب الجسد الإنساني.
دفع إشكال تعذيب جلد جديد لم يعص: قال العلماء والمحققون كابن تيمية وابن كثير: التبديل هنا تبديل صفة لا تبديل ذات؛ كالثوب يبدل غسله أو يصبغ بصبغ جديد، فالجلد المعذب هو جلد العاصي نفسه يعاد بعد إحراقه ليتصل به الألم، ولو قيل بتبديل الذات فإن الجلد آلة لنقل الإحساس بالألم إلى الروح المعذبة العاصية؛ فالتعذيب واقع على الروح العاصية بواسطة الجسد المتبدل، ولا ظلم في ذلك بحال.
إفادة الاستمرار والتكرار بـ {كُلَّمَا}: دلالة {كُلَّمَا} على التكرار الحتمي الأبدي الذي لا يفتر؛ والتعبير بالذوق {لِيَذُوقُوا} لتصوير المباشرة التامة لأقصى درجات الإيلام والحسرة.
التذييل بالعزة والحكمة: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا}؛ عزيز لا يعجزه تجديد الجلود وخلود العذاب، حكيم في وضع العقوبة على قدر الجريمة الشنعاء بالكفر والاستكبار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجديد الخوف والوجل من عذاب الله ومباغتة الأجل، والفرار إلى رحمة الله بالإيمان والعمل الصالح.
تعظيم الإيمان بالقرآن الكريم وبراهينه العلمية والإعجازية الخالدة.