أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ٩، ص ٤٥١-٤٦٠)جامع البيانالطبري٩/٤٥١ وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}: «يعني بالعهود: ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حد في جميع القرآن؛ لا تغدروا ولا تنكثوا».
وعن قتادة والضحاك والسدي ومجاهد: «العقود هي حلف الجاهلية وما أخذ الله على عباده من الإيمان به وبكتبه ورسله، وعقود المعاملات من النكاح والبيع والإجارة والعهد واليمين».
وروى البخاري في "صحيحه" (رقم ٢٧٣٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٣٦ ومسلم (رقم ١٤١٨)مصدر غير محددحديث رقم ١٤١٨ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلمون على شروطهم»، وهو أصل نبوي منبثق من هذه الآية الكريمة.
تفسير بهيمة الأنعام: أخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن الحسن البصري وقتادة: «بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم؛ وألحق بها جماهير العلماء حمر الوحش والظباء وبقر الوحش، وما شابهها من الحيوانات العاشبة الأليفة والبرية غير المفترسة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْعُقُودِ
جمع عقد، وهو في لسان العرب: الربط والشد المحكم بين طرفين، وضده الحل؛ ويطلق في الشرع على كل ميثاق مؤكد يلتزم به المرء مع ربه كالفرائض والنذور، أو مع غيره كالبيوع والعهود والمواثيق.
بَهِيمَةُ
البهيمة كل ذات أربع قوائم من حيوان البر والماء، سُميت بهيمة لإبهامها واستبهام صوتها وفقدانها للنطق المفصح.
الْأَنْعَامِ
جمع نَعَم، وهي الإبل والبقر والضأن والماعز؛ وإضافة بهيمة إلى الأنعام إضافة بيانية لتخصيص البهائم البرية الحلال دون ذوات الأنياب والسباع.
حُرُمٌ
جمع حرام أو مُحْرِم، أي وأنتم متلبسون بالإحرام بحج أو عمرة، أو وأنتم داخل حدود الحرم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
يا أداة نداء، أي منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب، والهاء للتنبيه، والذين بدل أو نعت، وجملة آمنوا صلة الموصول.
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وبالعقود جار ومجرور متعلق بأوفوا.
أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ
فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعله، لكم متعلق بأحلت، بهيمة نائب فاعل مرفوع، والأنعام مضاف إليه مجرور.
إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ
إلا أداة استثناء، ما اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء المتصل من بهيمة الأنعام، وجملة يتلى عليكم صلة الموصول.
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ
غير حال منصوبة من الضمير المجرور في "لكم"، أو حال من فاعل أوفوا؛ ومحلي مضاف إليه مجرور بالياء وحذفت النون للإضافة، والصيد مضاف إليه.
وَأَنتُمْ حُرُمٌ
الواو حالية، أنتم مبتدأ، وحرم خبر مرفوع بالضمة، والجملة في محل نصب حال من محلي الصيد.
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
جملة تعليلية استئنافية؛ يحكم مضارع وفاعله مستتر وما مفعول به وجملة يريد صلة، والجملة خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الاستهلال التشريعي:
افتتحت السورة بقاعدة كلية موجزة حاكمة {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} لتكون مظلة عامة لكل الأحكام الجزئية الواردة في السورة؛ ثم عقّب مباشرة ببيان أوائل العقود المحللة والمحرمة وهي الأطعمة والصيد والإحرام، مبيناً أن الحلال والحرام لا يستند إلى أهواء الناس وعاداتهم بل إلى إرادة الله ومشيئته المطلقة {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: كيف يكون الوفاء بالعقود عاماً ثم تلحقه استثناءات مقيدة؟:
يدفع الإشكال: حرر المحققون -كأبي بكر بن العربي في "أحكام القرآن" والقرطبي- أن الأمر بالوفاء بالعقود مقيد بما وافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ كما قرر النبي صلى الله عليه وسلم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط»؛ فالعقود المحرمة التي تحل الحرام أو تحرم الحلال لا تدخل في الأمر بالوفاء أصلاً؛ وإنما المراد العقود المشروعة والعهود المباحة؛ فالقيد الشرعي أصل عقلي وتنظيمي لحفظ العدل ومنع الفوضى والاستغلال.