دعاء الاستفتاح النبوي وتقرير الحنيفية الإبراهيمية في السنة والآثار:
أخرج الإمام مسلم في "صحيحه" (رقم ٧٧١)مصدر غير محددحديث رقم ٧٧١ والترمذي وأبو داود والنسائي وأحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح فقال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين...».
وأخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٠٦)جامع البيانالطبري١١/٥٠٦ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس ومجاهد في قوله تعالى: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا}: «أي أخلصت ديني وعبادتي وعملي وقصدي لله وحده لا شريك له، الذي ابتدع السماوات والأرض وأنشأهما على غير مثال سابق؛ {حَنِيفًا} أي مائلاً عن كل الأديان الباطلة إلى دين الإسلام والتوحيد الخالص، {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} المتخذين مع الله أنداداً وأصناماً وكواكب».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٠٥)مصدر غير محدد٣/٣٠٥: «أي أخلصت ديني، وأفردت عبادتي للذي خلق السماوات والأرض وابتدعهما بلا شريك، مستقيماً على التوحيد، مائلاً عن الشرك، ومفاصلة لأهله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَجَّهْتُ وَجْهِيَ
قصدت بقلبي وعبادتي وخضوعي، والوجه يعبر به عن الذات والقصد والتوجه التام.
فَطَرَ
شق وأبدع وخلق ابتداءً وافتتح الإيجاد.
حَنِيفًا
الحنيف هو المائل عن الشرك والباطل إلى التوحيد والاستقامة؛ وأصل الحنف الميل، فالحنيف مائل عن كل طريق عوج إلى الصراط المستقيم.
وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
براءة مؤكدة بنفي أن يكون من زمرتهم أو ملتبساً بشركهم في قليل أو كثير.
إِنِّي
إن واسمها.
وَجَّهْتُ
ماضٍ والتاء فاعل والجملة خبر إن.
وَجْهِيَ
مفعول به منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة لياء المتكلم (أو الفتحة ظاهرة على الياء)، والياء مضاف إليه.
لِلَّذِي
جار ومجرور متعلق بوجهت.
فَطَرَ
ماضٍ والفاعل مستتر والجملة صلة الموصول لا محل لها.
السَّمَاوَاتِ
مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة.
وَالْأَرْضَ
معطوف منصوب بالفتحة.
حَنِيفًا
حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من التاء في وجهت (أو من فاعل فطر).
وَمَا
الواو عاطفة أو حالية، ما نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
أَنَا
ضمير منفصل في محل رفع اسم ما (أو مبتدأ).
مِنَ الْمُشْرِكِينَ
متعلق بمحذوف خبر ما (أو خبر المبتدأ) وعلامة جره الياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان التوحيد الإيجابي بعد هدم الأصنام السلبية:
اكتمال البناء العقدي الرصين؛ فالتوحيد لا يتم بمجرد النفي؛ لذلك لما أعلن البراءة من الشرك في الآية السابقة: {إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}، أتبعها هنا بالإثبات الإيجابي الصادع: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}؛ فجمع بين النفي والإثبات كحقيقة "لا إله إلا الله"، متوجاً ملته بالحنيفية البيضاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مفهوم "الحنيفية" ورد تلبيس المشركين واليهود والنصارى:
الحنيفية هي الملة الإبراهيمية الخالصة التي بُعث بها النبي صلى الله عليه وسلم: «بُعثت بالحنيفية السمحة»؛ والقرآن الكريم حسم ادعاءات الملل في إبراهيم بقوله: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}؛ فالآية تبطل دعاوى وثنية قريش، وتحريفات أهل الكتاب، وتثبت أن حقيقة دين الأنبياء واحدة وهي إسلام الوجه لفاطر السماوات والأرض حنيفاً مبرأً من الشرك.
إطلاق {وَجْهِيَ} وإرادة الكيان والقصد التام: مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ عبّر بالوجه لشرفه ومواجهته للكائنات، ليدل على أن كل حواسه وقصده وروحه متجهة بكليتها إلى الله الواحد القهار.
التوكيد بالجملة الاسمية في {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: قطع لكل شبهة؛ تأكيد على أنه ليس في دائرتهم ولا من حزبهم ولا تجمعه بهم رابطة في الاعتقاد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار معنى توجيه الوجه لله في كل صلاة ودعاء وعمل؛ بحيث تتجرد النية من شوائب الرياء والسمعة وحظوظ النفس.
التمسك بالملة الحنيفية والاستقامة على التوحيد، ومجانبة مسالك أهل الشرك والبدع والأهواء في كل زمان.