حفظ الشريعة والبدلاء المؤمنين في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٣٣)جامع البيانالطبري١١/٥٣٣ وابن أبي حاتم والحاكم عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ}: «أولئك الأنبياء المذكورون هم الذين جمع الله لهم خصائص الفضل: الكتاب المنزّل من السماء، والحكم وهو الفهم في الدين والحكمة والفصل بين الناس، والنبوة وهي اصطفاء الوحي والرسالة؛ {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ} يعني كفار قريش ومشركي العرب، {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ}: قال ابن عباس وقتادة: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم القيامة؛ وقيل: هم الأنبياء والملائكة والمؤمنون في كل عصر».
وروى الطبري عن مجاهد: «إن يكفر بها أهل مكة فقد وكلنا بحفظها والإيمان بها والجهاد في سبيلها قوماً كراماً هم المهاجرون والأنصار وأتباعهم لا يكفرون بحرف منها أبداً».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣١٣)مصدر غير محدد٣/٣١٣: «هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيد لمشركي قريش؛ أي إن كفر هؤلاء القريشيون بنبوتك والقرآن، فلا تبتئس؛ فإن الله قد أعد لدينه من يحمله ويؤمن به وينصره، ولن يضيع دينه أبداً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْكِتَابَ
جنس الكتب السماوية المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم.
وَالْحُكْمَ
الحكمة والفقه في الشريعة والفصل بالقضاء والعدل وسلطان الرئاسة الدينية.
وَالنُّبُوَّةَ
شرف الإيحاء والاصطفاء الإلهي للرسالة.
هَٰؤُلَاءِ
الإشارة إلى كفار مكة ومشركي العرب المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم.
قوم رسخوا في الإيمان وأخلصوا دينهم لله فلا يرتدون ولا يجحدون.
أُولَٰئِكَ
اسم إشارة مبتدأ أول والكاف للخطاب.
الَّذِينَ
اسم موصول خبر المبتدأ (أو بدل).
آتَيْنَاهُمُ
ماضٍ ونا فاعل والهاء مفعول به أول والميم للجمع والجملة صلة الموصول.
الْكِتَابَ
مفعول به ثانٍ لآتينا منصوب بالفتحة.
وَالْحُكْمَ
معطوف منصوب.
وَالنُّبُوَّةَ
معطوف منصوب بالفتحة.
فَإِن
الفاء استئنافية، إن حرف شرط جازم.
يَكْفُرْ
مضارع مجزوم فعل الشرط وعلامة جزمه السكون.
بِهَا
متعلق بيكفر والضمير يعود على الثلاثة (الكتاب والحكم والنبوة أو آيات الله).
هَٰؤُلَاءِ
ها للتنبيه، أولاء اسم إشارة فاعل يكفر مبني في محل رفع.
فَقَدْ
الفاء رابطة لجواب الشرط، قد حرف تحقيق.
وَكَّلْنَا
ماضٍ ونا فاعل.
بِهَا
متعلق بوكلنا.
قَوْمًا
مفعول به لـ وكلنا منصوب بالفتحة، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
لَّيْسُوا
فعل ماضٍ ناقص واسمه الواو.
بِهَا
متعلق بكافرين.
بِكَافِرِينَ
الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي، كافرين مجرور لفظاً منصوب محلاً خبر ليس وعلامة جره الياء، وجملة ليس واسمها وخبرها في محل نصب نعت لـ قوماً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سنة الاستبدال الإلهي وضمان حفظ الرسالة بأهل الإيمان الصادق:
سياق التثبيت النبوي والتهديد الرادع؛ فبعد أن استعرض سلالة النبوة وحاملي الوحي، التفت إلى كفار مكة المعاندين: إن كفرتم بهذا الكتاب وتنكرتم لهذه النبوة، فإن الله غني عنكم ولن يتعطل دينه؛ فقد ادخر الله لحمل رسالته قوماً بررة (المهاجرين والأنصار ومن تبعهم) يؤمنون بها وينصرونها بالمهج والأموال؛ فكانت الآية بشارة بانتصار الإسلام وسقوط كيد المكذبين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق سنّة "الاستبدال" وحفظ الدين عبر القرون:
تؤصل الآية الكريمة لقانون قرآني كلي: "دين الله لا يتوقف على أحد، والاستبدال سنّة ماضية"؛ كما قال تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}؛ فكل من كفر أو أعرض عن نصرة الدين فإنما يضر نفسه ويحرم ذاته شرف الانتماء، والله يهيئ لدينه أجيالاً وقوماً يحبهم ويحبونه يحملون الراية وينشرون النور؛ فالحق منصور ومحفوظ بوعد الله.