المناظرة الإبراهيمية لعبدة الكواكب وإبطال ألوهية الآفل في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٩٩)جامع البيانالطبري١١/٤٩٩ وابن أبي حاتم والحاكم عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق: «أن إبراهيم عليه السلام كان في قوم يعبدون النجوم والكواكب والأصنام؛ فلما رأى كوكباً مضيئاً (وهو الزهرة أو المشتري) أراد أن ينبههم على عجز ما يعبدون بطريق المناظرة وإلزام الخصم على وجه الفرض والجدل، فقال مستدرجاً لهم: {هَٰذَا رَبِّي} بزعمكم وعلى ما تدعون؟! {فَلَمَّا أَفَلَ} أي غاب واحتجب وتوارى، نقض دعواهم بحجة عقلية بديهية فقال: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ}؛ أي لا يصح أن يكون الإله والرب غائباً ناقصاً يأفل ويزول ويتغير؛ لأن الإله الحق قيوم دائم لا يغيب ولا يزول ولا ينقص».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٠٣)مصدر غير محدد٣/٣٠٣: «والحق الذي لا ريب فيه أن إبراهيم عليه السلام كان في هذا المقام "مناظراً" لقومه مبيناً بطلان ما هم عليه من عبادة الكواكب، ولم يكن "ناظراً" باحثاً عن ربه كما زعم بعض أهل الأهواء؛ فإبراهيم كان مؤمناً موحداً منذ نشأته آتاه الله رشده من قبل، وإنما أراد إلزامهم بالحجة وإسقاط آلهتهم الفلكية بالبرهان العقلي القاطع».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ
ستره وظلل عليه بظلامه وسواده؛ ومنه الجنين لاستتاره في البطن، والجن لاستتارهم عن الأعين.
كَوْكَبًا
جرماً سماوياً نيراً في السماء؛ وقيل هو كوكب الزهرة لشدة ضيائه وحسنه.
هَٰذَا رَبِّي
قول صادر على وجه الفرض والمناظرة والتنزل مع الخصم؛ أي أهذا ربي كما تزعمون؟!
أَفَلَ
غاب وتوارى واحتجب عن الأنظار؛ والأفول الغروب والزوال والانتقال.
لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
لا أرضى بعبادتها ولا أوالي من شأنه النقص والأفول والاحتجاب؛ فالمحبة هنا رأس العبادة والخضوع.
فَلَمَّا
الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، لما رابطة شرطية غير جازمة.
جَنَّ
ماضٍ مبني على الفتح.
عَلَيْهِ
متعلق بجن.
اللَّيْلُ
فاعل جن مرفوع بالضمة والجملة فعل الشرط.
رَأَىٰ
ماضٍ مبني على فتح مقدر والفاعل مستتر تقديره هو، وجملة رأى جواب لما لا محل لها.
كَوْكَبًا
مفعول به منصوب بالفتحة (ورأى بصرية).
قَالَ
ماضٍ وفاعله مستتر.
هَٰذَا
ها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبتدأ.
رَبِّي
خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم والياء مضاف إليه، وجملة المبتدأ والخبر مقول القول في محل نصب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
انطلاق المناظرة الكبرى بالتنزل الجدلي واستدراج الخصم:
تسلسل حواري باهر؛ بدأ المناظرة مع عبدة الكواكب والأجرام السماوية حين جن الليل وبرز كوكب الزهرة اللامع؛ فتنزل معهم تنزلاً حكيماً فقال: {هَٰذَا رَبِّي} مجارياً لهم في دعواهم؛ ليترك الكوكب يتحرك في مساره حتى يحين موعد سقوطه وغروبه؛ فلما غاب الكوكب واختفى نوره سدد ضربته الأولى: الإله لا يغيب ولا يأفل، فكيف تعبدون ما يزول ويتلاشى؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دحض شبهة "شك إبراهيم وطلبه للرب" وإثبات مقام المناظرة:
زعم بعض الملاحدة والمستشرقين وأهل البدع أن إبراهيم كان شاكاً باحثاً عن إله فعبد الكوكب ثم القمر ثم الشمس حتى اهتدى!
والتحقيق العقلي والشرعي الذي أجمع عليه أئمة التحقيق (ابن تيمية في "درء التعارض" ج ٧، ص ٢١٠، وابن كثير، والشنقيطي):
أن إبراهيم آتاه الله رشده من صباه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}، والنبي معصوم من الشرك والشك قبل النبوة وبعدها بإجماع أهل السنة.
أن هذا الأسلوب أسلوب "مناظرة وتنزل واستدراج"؛ كقول العالم للملحد المتشكك: دعنا نسير مع قولك؛ هل هذا الصنم رب؟! ثم يثبت له عوار هذا القول بالأدلة العقلية؛ ونظيره في القرآن: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.
دلالة برهان الحركة والأفول: الأفول انتقال من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان، وكل منتقِل متغيّر حادث، وكل حادث محتاج إلى محدث ومحرك أوجده، والرب لابد أن يكون قديماً واجباً بذاته غنياً عن غيره لا تعتريه النقائص والغياب.
التعبير بـ {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} واستعمال لفظ "المحبة": لفتة بيانية وإيمانية عميقة؛ فالعبادة قوامها المحبة والتعظيم، ومن فطرته سليمة لا يميل قلبه ولا تسكن روحه إلى معبود يغيب عنه وينساه ويأفل في ظلمة العدم؛ فالأفول منافٍ للمحبة الإلهية.
جمع الآفلين جمع مذكر سالم {الْآفِلِينَ}: لتغليب العقلاء وإدخال كل ما يُعبد من دون الله من ملائكة وكواكب وأصنام في حكم العجز والأفول.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إتقان أساليب المناظرة بالحكمة والجدال بالتي هي أحسن، والتنزل مع الخصم لاستدراجه وإلزامه ببدائه العقول.
تعليق القلب بالله الحي القيوم الذي لا ينام ولا يموت ولا يغيب، وإسقاط التعلق بالآفلين والزائلين من أهل الدنيا ومتاعها.