أخرج ابن أبي حاتم والطبري في "جامع البيان" (12/ 43)جامع البيانالطبري١٢/٤٣ عن الضحاك وابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت في رجلين مثّل الله بهما؛ أحدهما هداه الله للإسلام وهو حمزة بن عبد المطلب أو عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، والآخر أصر على عتوه وضلاله وهو أبو جهل عمرو بن هشام لعنه الله.
وروى مجاهد وعكرمة وقتادة: أنها مثل عام ضربه الله للمؤمن الذي كان ميتاً بالجهل والضلالة والشرك فأحياه الله بالإيمان والقرآن، والكافر الذي ظل متخبطاً في ظلمات الكفر والجهل لا يخرج منها أبداً.
توجيهات أئمة السلف والتفسير:
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 330)مصدر غير محدد٣/٣٣٠: "هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً، أي في الضلالة والجهالة هالكاً تائهاً، فأحياه الله، أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه له ووفقه لاتباع رسله، {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} أي: يهتدي به كيف يسلك وكيف يتصرف به في ظلمات المجتمع، والنور هو القرآن والإيمان... {كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} أي: ظلمات الجهالات والشك والضلال والشرك، {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} أي: قد أحاطت به من كل جانب فلا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص، {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: حُسّن لهم ما هم فيه من الضلال عقوبة لهم على كفرهم".
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (1/ 174)إعلام الموقعين عن رب العالمينابن القيم١/١٧٤: "سمى الله الوحي روحاً لأن به حياة القلوب، وسماه نوراً لأن به إضاءة البصائر؛ فالذي حرم الوحي ميت الروح أعمى البصيرة وإن كان يمشي بين الناس سوياً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(مَيْتًا): الميت هنا هو ميت القلب والروح بفقدان الإيمان والمعرفة بالله؛ فالحياة الحقيقية هي حياة الروح بالإيمان.
(فَأَحْيَيْنَاهُ): الإحياء هنا هو بعث الحياة الروحية الإيمانية في القلب بالهدى والتوفيق.
(نُورًا): النور هو الإيمان والقرآن والبصيرة الهادية التي تكشف الحقائق وتبدد الشكوك.
(الظُّلُمَاتِ): جمع ظلمة، وهي ظلمات الجهل والكفر والأهواء والشبهات المتراكمة.
الإعراب والتركيب:
{أَوَمَن}: الهمزة للاستفهام الإنكاري الدال على المفاضلة المستحيلة، والواو عاطفة، (مَن) اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{كَانَ مَيْتًا}: كان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو، وميتاً خبرها منصوب، والجملة صلة الموصول.
{فَأَحْيَيْنَاهُ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسببية، أحييناه فعل وفاعل ومفعول به.
{وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا}: الواو عاطفة، جعلنا فعل وفاعل، وله متعلق بمحذوف مفعول ثان أو بحال، ونوراً مفعول به أول.
{يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}: يمشي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره هو، به جار ومجرور متعلق بـ (يمشي)، في الناس متعلق بـ (يمشي)، والجملة في محل نصب نعت لـ (نوراً).
{كَمَن}: الكاف حرف تشبيه وجر، (من) اسم موصول في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ (من)؛ والتقدير: أمن كان ميتاً فأحييناه كائن كمن مثله في الظلمات؟!
{لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا}: ليس فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو، الباء زائدة في الخبر للتوكيد، خارج مجرور لفظاً منصوب محلاً خبر ليس، منها متعلق بـ (خارج)، والجملة في محل نصب حال من الضمير في مثله أو خبر ثان.
{زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: زيّن فعل ماض مبني للمجهول، للكافرين متعلق به، (ما) اسم موصول في محل رفع نائب فاعل، وكانوا يقترفون صلتها.
القراءات المتواترة: قرأ الجمهور {مَيْتًا} بالتخفيف وسكون الياء، وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر {مَيِّتًا} بالتشديد وكسر الياء، وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها التمثيلي الباهر: بعد أن قرر في الآيات السابقة صراع الحق والباطل وجدال الشياطين وأوليائهم في المحرمات والتحليل، ضرب الله تعالى هذا المثل القرآني العظيم ليجسد حقيقة هذا الصراع تجسيداً حسياً حركياً؛ فالمؤمن حي بنور الله يتحرك بين الناس ببصيرة هادية تميز الحق وتكشف العفن، بينما الكافر ميت الروح يتخبط في دهاليز الظلمات المغلقة لا يهتدي إلى مخرج؛ فشتان بين الفريقين، ولا يستوي الأحياء ولا الأموات!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الحياة والموت في الميزان القرآني:
تصحح الآية المفهوم البشري القاصر للحياة والموت؛ فليست الحياة مجرد نبض في القلب ونَفَس يتردد في الجسد وحركة عضوية تشترك فيها البهائم، بل الحياة الحقيقية هي "حياة القلب بمعرفة الله ونور وحيه"، والموت الحقيقي هو موت البصيرة والجهل بالله؛ ولهذا سمى الله الكفار أمواتاً فقال: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى}، وسمى القرآن روحاً فقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا}.
دفع استشكال عدم خروج الكافر من الظلمات:
قوله {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا}: بيان لحال الكافر المعاند الذي استحكمت عليه أقفال الضلال وزُين له سوء عمله؛ فهو محاصر بظلمة الكفر وظلمة الشك وظلمة التقليد وظلمة المصير، فلا يرجى له خروج ما دام مصراً على رد نور الوحي.
الاستعارة التمثيلية المركبة الفائقة: تمثيل الإيمان والاهتداء بالحياة بعد الموت وبالنور الوضاء المتحرك بين الناس، وتمثيل الكفر بالموت والظلمات المتراكمة الخانقة.
التنكير في (نُورًا) والإفراد في مقابل الجمع في (الظُّلُمَاتِ): نور الحق واحد متصل برب العزة سبحانه، بينما ظلمات الباطل متعددة ومتشعبة ومتناقضة تجمع بين الجهل والشك والهوى.
الحركة الإيجابية في قوله {يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}: صورة حية للمسلم الإيجابي الفاعل؛ فنوره ليس حبيساً في صومعة ولا في خلوة، بل يمشي به بين الناس، فينير لهم الدروب ويصلح المجتمع ويهدي الحيارى.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
الإيمان يسكب في روح المؤمن سكينة وثقة وبصيرة نافذة، فيرى بنور الله ما لا يراه غيره، ويتحرك في خضم الفتن بقلب هادئ ثابت كمن يحمل مشعلاً وهاجاً في ليلة ظلماء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والمجتمعي:
واجب المسلم أن يكون مشعل هداية في مجتمعه؛ يحمل نور القرآن والإسلام إلى الناس بأخلاقه وسلوكه ودعوته الصادقة، مقتدياً بقوله {يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}.
اليقظة التربوية:
الحذر من الركون إلى المعاصي؛ فإن المعصية تطفئ جزءاً من نور القلب، حتى إذا تراكمت أظلم القلب كله وصار في ظلمات لا يخرج منها، فالتوبة تجديد مستمر لنور الحياة الإيمانية.