مرويات شرح الصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح:
أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 56)جامع البيانالطبري١٢/٥٦ وابن أبي حاتم والحاكم في "المستدرك" (2/ 318)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٣١٨ وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن النور إذا دخل القلب انشرح وانفسح». قيل: يا رسول الله، وهل لذلك من علامة يُعرف بها؟ قال: «نعم؛ الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت»".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 334)مصدر غير محدد٣/٣٣٤: "{فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} أي: ييسره له وينشطه ويسهله عليه، فهذه أمارات خير، كقوله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}... {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} أي: في غاية الضيق، والحَرَج هو أضيق الضيق؛ لا يكاد يدخل فيه خير، ولا يستقر فيه إيمان، {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} أي: لمشقة قبول الإيمان عليه كمشقة من يتكلف الصعود إلى السماء وهو لا يستطيعه، {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ} أي: العذاب أو الخذلان أو الشيطان أو الضلال، {عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}".
روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ضَيِّقًا حَرَجًا}: "الحرج: الشك، لا يجد مسلكاً للهدى ولا منفذاً للخير".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(شَرْحُ الصَّدْرِ): الشرح في الأصل هو الفتح والتوسعة والبسط؛ وشرح الصدر اتساعه لقبول الإيمان واستنارته بنور الحق.
(حَرَجًا): بالحركات المختلفة؛ الحَرَج هو أشد الضيق والالتباس، وأصله الشجر الملتف المتداخل الذي لا يمكن الوصول إلى داخله لشدة تشابكه.
(يَصَّعَّدُ): أصله (يَتَصَعَّدُ) فأُدغمت التاء في الصاد للمبالغة، والصعود هو الارتفاع في العلو بمشقة وجهد وتكلف شديد.
(الرِّجْسَ): الخبث والقذارة، ويطلق شرعاً على العذاب واللعنة والخذلان والطمس.
الإعراب والتركيب:
{فَمَن}: الفاء فصيحة أو استئنافية، (مَن) اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ.
{يُرِدِ}: فعل مضارع مجزوم فعل الشرط وعلامة جزمه السكون وحُرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع.
{أَن يَهْدِيَهُ}: المصدر المؤول في محل نصب مفعول به لـ (يرد)، والهاء مفعول به لـ (يهدي).
{وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ}: الواو عاطفة، وإعرابها مطابق لسابقتها؛ يجعل جواب الشرط وفاعله مستتر، وصدره مفعول به أول.
{ضَيِّقًا}: مفعول به ثان منصوب لـ (يجعل).
{حَرَجًا}: نعت منصوب لـ (ضيقاً) أو مفعول به ثالث، أو مصدر في موضع الصفة.
{كَأَنَّمَا}: كافة ومكفوفة تفيد التشبيه.
{يَصَّعَّدُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، وجملة يصعد في محل نصب حال من الهاء في صدره، أو حال من صاحب الصدر.
{فِي السَّمَاءِ}: جار ومجرور متعلق بـ (يصّعد).
{كَذَلِكَ}: جار ومجرور في محل نصب نعت لمصدر محذوف (يجعل جعلاً كذلك الجعل).
{يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ}: فعل مضارع والفاعل ومفعول به أول.
{عَلَى الَّذِينَ}: جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثان لـ (يجعل).
{لَا يُؤْمِنُونَ}: لا نافية، وجملة يؤمنون صلة الموصول لا محل لها.
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ الجمهور وحفص: {ضَيِّقًا} بتشديد الياء وكسرها. وقرأ ابن كثير: {ضَيْقًا} بالتخفيف وسكون الياء، وهما لغتان مثل هَيِّن وهَيْن ومَيِّت ومَيْت.
قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف: {حَرَجًا} بفتح الراء (صفة مشبهة كـ بَطَر ودَنَف). وقرأ أبو بكر عن عاصم وابن عامر في رواية: {حَرِجًا} بكسر الراء (اسم فاعل كـ فَرِح ونَمِر).
وقرأ ابن كثير: {يَصَّاعَدُ} بألف بعد الصاد المشددة (أصله يتصاعد).
وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر: {يَصْعَدُ} بسكون الصاد وتخفيف العين (من صعد يصعد).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها النفسي الإعجازي: بعد أن بينت الآية السابقة عناد الكفار واستكبارهم عن قبول الرسالة، بيّنت هذه الآية العلة التكوينية والنفسية الباطنة لهذا التفاوت بين البشر؛ فالهداية والضلال بيد الله وحده؛ فمن أراد الله هدايته انفسح قلبه لقبول الحق بنور رباني، ومن قضى الله عليه بالضلال لفساد طويته ضاق صدره عن الإيمان وتكلف سماعه تكلفاً شاقاً خانقاً كمن يعاني ضيق التنفس الشديد عند الصعود في طبقات الجو العليا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز العلمي والبياني في قوله {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ}:
من أعظم وجوه الإعجاز القرآني الدال على أنه تنزيل من حكيم خبير؛ فقد كشفت علوم الطيران والفضاء في العصر الحديث حقيقة فيزيائية لم تكن معلومة للبشر وقت نزول القرآن: وهي أن الإنسان كلما ارتفع وصعد في طبقات الجو العليا انخفض الضغط الجوي وقلّت نسبة الأكسجين، فيشعر بضيق شديد في الصدر وحرج واختناق في التنفس قد يفضي إلى الموت! والقرآن شبّه ضيق صدر الكافر عند سماع الوحي والإيمان بحال هذا الذي يتصعد في طبقات الجو العليا؛ مما يثبت أن خالق الأكوان ومنزل القرآن هو إله واحد.
تأصيل مذهب أهل السنة في خلق الهداية والضلال:
الآية نص قطعي في إثبات أفعال الله وقدره؛ فالله تعالى هو الذي يشرح الصدر ويهدي، وهو الذي يضيق الصدر ويضل، وكل ذلك جارٍ على وفق حكمته التامة؛ فالشرح فضل ورحمة، والضيق عدل وعقوبة على اختيار الكفر {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}.
المقابلة التامة البديعة: بين (يشرح صدره للإسلام) وبين (يجعل صدره ضيقاً حرجاً).
التشبيه التمثيلي الحركي: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ}؛ تصوير حسي غاية في الدقة والروعة لمشاعر الضيق والاختناق والمكابدة النفسية.
التدرج في وصف الضيق: {ضَيِّقًا حَرَجًا}؛ الضيق أولاً، ثم الحرج وهو نهاية الضيق الذي لا منفذ فيه.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
راحة النفس وسعادتها الكبرى إنما تكون في انشراح الصدر بنور الإيمان بالله؛ فمن فقد الإيمان عاش في ضنك واختناق نفسي دائم ولو ملك الدنيا بحذافيرها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
علامات انشراح الصدر:
تفقد المسلم لحال قلبه؛ فمن وجد في نفسه إقبالاً على الطاعة، وأُنساً بالقرآن، وزهداً في الفاني، وشوقاً إلى الباقي، فليحمد الله؛ فإن ذلك من علامات انشراح الصدر ودخول النور فيه.
الدعاء والافتقار:
كثرة اللجوء إلى الله بسؤال الهداية وانشراح الصدر كما كان يدعو موسى عليه السلام: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي}.