أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 166)جامع البيانالطبري١٢/١٦٦ بسنده عن ابن عباس وقتادة والسدي في قوله تعالى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا}: "يقول الله تعالى لنبيه: قل لهؤلاء المشركين المحرمين للبحائر والسوائب وما في بطون الأنعام: أحضروا شهداءكم الذين يشهدون بحق وصدق أن الله حرم هذا الذي حرمتموه؛ وهو أمر تعجيز لهم؛ لأنهم لا يجدون شاهداً صادقاً يشهد بذلك. ثم قال: {فَإِن شَهِدُوا} أي: فإن تجرؤوا وشهدوا كذباً وزوراً وافتراءً، {فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} أي: فلا تصدقهم ولا تقبل شهادتهم الباطلة؛ لأنها شهادة زور معلومة البطلان بالضرورة، {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أي: يسوون به غيره ويجعلون له أنداداً وشركاء".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 356)مصدر غير محدد٣/٣٥٦: "{قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ} أي: أحضروهم وأجلبوهم... وهذا تعجيز لهم؛ لأنهم لا يقدرون على ذلك، فإن شهد من سفهائهم وسدنتهم أحد فلا تصدقهم، فإن شهادتهم مجرد زور وكذب، ولا تتبع أهواءهم المردية وضلالاتهم الفاسدة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(هَلُمَّ): اسم فعل أمر بمعنى (أحضروا أو تعالوا أو قرّبوا)؛ وأهل الحجاز يلزمونه لغة واحدة في المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث فيقولون: (هَلُمَّ يا رجل، وهلم يا رجال، وهلم يا امرأة)، وبها نزل القرآن العظيم. وبنو تميم يصرفونها تصريف الأفعال فيقولون: هلموا وهلمي.
(يَعْدِلُونَ): العَدْل هنا هو التسوية والإشراك؛ عدل به غيره إذا سوّاه به وجعله نداً له؛ ومنه قوله تعالى في مطلع السورة: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ}.
الإعراب والتركيب:
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون.
{هَلُمَّ}: اسم فعل أمر مبني على الفتح بمعنى (أحضروا)، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنتم.
{يَعْدِلُونَ}: مضارع مرفوع والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية حالية أو معطوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتطويق التزوير وبراعة الختام للمقطع: هذه الآية المباركة تمثل "الختام والمفصل الحاسم" لكل قضايا الأنعام والمحرمات المبتدعة في هذا الشوط الطويل (من الآية 136 إلى 150)؛ فبعد أن أقام عليهم الحجج العقلية والنقلية، تحداهم تحدي المحكمة العلنية: أحضروا شهودكم إن كان لكم شهود! ثم وضع القاعدة الحاسمة: حتى لو استأجرتم شهود زور ليشهدوا بأن الله حرم هذا كذباً ومكابرة، فلا تشهد معهم يا رسول الله ولا تتبع أهواءهم؛ لأن الحق لا يثبت بشهادات الزور والتواطؤ على الباطل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شهادة الزور وعدم الاغترار بإجماع أهل الباطل:
تقرر الآية قاعدة قضائية وأصولية بالغة الأهمية: "الشهادة المعلومة البطلان بالضرورة تسقط ولا اعتبار لها"؛ فلو شهد مئات أو آلاف على خلاف حكم الله القطعي فإن شهادتهم باطلة مردودة، ولا يجوز للمسلم ولا للحاكم أن يوافقهم أو يشهد معهم مجاراة للرأي العام أو للأكثرية المزيفة.
التوصيف الثلاثي لأهل الضلال:
كشفت الآية في ختامها عن الركائز الثلاث التي يقوم عليها فكر هؤلاء المعاندين:
{كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}: معاندة النصوص والبراهين المعجزة.
{وَهُم بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ}: الشرك الصريح بمساواة المخلوق العاجز بالخالق العظيم؛ فمن اجتمعت فيه هذه الركائز الثلاث استحال أن تصدر عنه شهادة حق أو تشريع عدل.
استعمال اسم فعل الأمر (هَلُمَّ): بلغة أهل الحجاز؛ للدلالة على طلب الإحضار الفوري القاطع في مقام المحاصرة والتعجيز.
النهي القاطع في {فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ}: حسم فوري لقطع أي مساومة أو مداهنة؛ فالباطل باطل وإن زوره الكبراء.
العودة إلى مطلع السورة في قوله {وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}: براعة اختتام مذهلة (رد العجز على الصدر)؛ حيث بدأت سورة الأنعام بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ}، وختم هذا المقطع الطويل من المحاججة بالصفة ذاتها {وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}؛ ليترابط النظم ترابطاً إعجازياً محكماً.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
شهادة الزور والتحليل والتحريم بغير علم نوع من مساواة النفس بالله في حق التشريع؛ فالواجب على العبد أن يقف حيث أوقفه الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عفة اللسان ونبذ شهادة الزور:
الحذر البالغ من شهادة الزور أو تزكية الباطل؛ فقد قرنها النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك بالله في الحديث: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت» (رواه البخاري ومسلم).
الاستقلال العقائدي والثبات:
عدم الانسياق وراء الأهواء الفكرية والتشريعية المنحرفة مهما كثر شهودها ومروجوها؛ فالمسلم عبد لله ولشرعه لا لأهواء الناس وضلالاتهم.