أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 29)جامع البيانالطبري١٢/٢٩ في قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}: "أي: وأي عذر لكم، وأي مانع يمنعكم من أن تأكلوا مما ذبح على اسم الله؟! وقد بيّن لكم وفصل لكم ما حرم عليكم من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهل لغير الله به، وأباح لكم ما سوى ذلك إلا عند الضرورة الشديدة التي تبيح المحظور".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 327)مصدر غير محدد٣/٣٢٧: "أي: وأي شيء يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد بيّن لكم ربكم ما حرم عليكم وفصله تفصيلاً وأزاح العلة؟! ثم استثنى حالة الاضطرار فقال: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} فإنه يباح لكم تناوله عند مخافة الهلاك حفظاً للنفوس، {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: من المشركين وأهل البدع والضلال الذين يحللون ويحرمون بآرائهم الفاسدة، {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} أي: المتجاوزين لحدوده ومحارمه".
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (2/ 180)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/١٨٠: "هذه الآية نص قطعي على أن الأصل في الأطعمة الحل والإباحة، وأن المحرمات محصورة مفصلة مبينة؛ فما لم يرد نص صريح بتحريمه فهو داخل في حيز العفو والحل، كما دلت على قاعدة الضرورات تبيح المحظورات".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(اضْطُرِرْتُمْ): من الضَّرُورَة، وهي المشقة الشديدة والحاجة الملجئة التي يخشى معها الهلاك أو التلف البالغ إن لم يتناول المحرم.
(بِأَهْوَائِهِم): جمع هوى، وهو ميل النفس إلى ما يوافق شهوتها بغير هدى من الله.
{وَمَا}: الواو استئنافية، (ما) استفهامية متضمنة معنى الإنكار في محل رفع مبتدأ.
{لَكُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ.
{أَلَّا تَأْكُلُوا}: (أن) مصدرية ناصبة، (لا) نافية أو زائدة مؤكدة، والمصدر المؤول (أن لا تأكلوا) في محل جر بحرف جر محذوف تقديره (في ألا تأكلوا)، والجار والمجرور متعلق بحال محذوفة (أي ما لكم كائنين ممتنعين عن الأكل). و(تأكلوا) مضارع منصوب بحذف النون والواو فاعل.
{مِمَّا}: جار ومجرور متعلق بـ (تأكلوا).
{ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}: فعل ماض مبني للمجهول ونائب فاعل ومضاف إليه وجار ومجرور متعلق بذكر، والجملة صلة الموصول.
{وَقَدْ}: الواو حالية، قد حرف تحقيق.
{فَصَّلَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله.
{لَكُم}: متعلق بـ (فصل).
{مَّا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.
{حَرَّمَ عَلَيْكُمْ}: فعل وفاعل مستتر وجار ومجرور، والجملة صلة الموصول.
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{مَا}: اسم موصول في محل نصب على الاستثناء المتصل من (ما حرم عليكم).
{اضْطُرِرْتُمْ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعل، والميم للجمع.
{إِلَيْهِ}: جار ومجرور متعلق بـ (اضطررتم).
{وَإِنَّ كَثِيرًا}: الواو استئنافية، إنّ حرف توكيد ونصب، كثيراً اسمها.
{بِأَهْوَائِهِم}: جار ومجرور متعلق بـ (يضلون)، والهاء مضاف إليه.
{بِغَيْرِ عِلْمٍ}: متعلق بمحذوف حال من الواو في يضلون.
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ}: إن واسمها، هو ضمير فصل، أعلم خبرها، بالمعتدين متعلق بأعلم.
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف: {فَصَّلَ} بالبناء للمعلوم وفتح الفاء والصاد المشددة، و{حَرَّمَ} بفتح الحاء والراء؛ والفاعل هو الله تعالى.
وقرأ ابن كثير وابن عامر في رواية وأبو بكر عن عاصم في رواية: {فُصِّلَ... حُرِّمَ} بالبناء للمجهول وضم أولهما؛ وكلا المعنيين متطابقان؛ فالمفصِّل والمحرِّم هو الله تبارك وتعالى.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: {لَيَضِلُّونَ} بفتح الياء (فعل لازم أي يقعون هم في الضلال)، وقرأ عاصم وابن عامر: {لَيُضِلُّونَ} بضم الياء (فعل متعدٍ أي يضلون غيرهم ويفسدون أديانهم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها الإلزامي: هذا توبيخ وإنكار بالغ على المترددين أو المتأثرين بشبهات الجاهلية؛ إذ لا مبرر عقلياً ولا شرعياً للتوقف عن أكل ما ذُكر اسم الله عليه؛ فالشريعة لم تترك الأحكام ملتبسة، بل فصلت المحرمات بنصوص حاسمة، وأبقت ما عداها في ساحة الحل والرحمة، وجعلت الاضطرار مسقطاً للتحريم؛ فبأي مسوغ يُحرم الحلال؟! ثم نبهت على منبع هذا التحريف وهو اتباع الهوى والجهل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تأصيل القواعد الأصولية والفقهية الكبرى:
قاعدة: الأصل في الأشياء النافعة الإباحة: قوله {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} يدل على أن المحرمات محصورة ومعدودة، وما لم يُفصل تحريمه فهو حلال طلق.
قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات: قوله {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} استثناء جازم يبين مرونة الشريعة ورحمتها؛ فحفظ النفوس من الهلاك مقدم على حفظ حرمة المطعوم المحرم، فيجوز للمضطر أكل الميتة بقدر ما يسد رمقه ويحفظ حياته.
دحض تحكم الأهواء والبدع في التشريع: قوله {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} يقطع الطريق على كل من يحرم ما أحل الله تزهداً مبتدعاً، أو يحلل ما حرم الله مجاراة للواقع؛ فالتشريع حق محض لله.
الاستفهام الإنكاري التوبيخي في {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا}: لحث المؤمنين على التحرر من عقد الجاهلية ورواسبها في تحريم الأطعمة الحلال.
الاقتران بين (الهوى) و(الجهل): في قوله {بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ}؛ كشف للجذرين اللذين ينبع منهما كل ضلال وانحراف في الدين والحياة؛ فالهوى يعمي عن الحق، والجهل يمنع من البصيرة.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
يسر الشريعة وسماحتها؛ فالشريعة جاءت باليسر والتوسعة، والمتحرج في أكل الطيبات المباحة معتدٍ على حدود الله وسماحة دينه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الفقهي والاجتماعي:
عدم التشديد والتنطع فيما وسع الله فيه؛ فالدين يسر، ومن الورع الفاسد الامتناع عن أكل ما أحل الله بمجرد الشكوك والوساوس الواهية.
التحذير من الفتوى بغير علم:
خطورة التحليل والتحريم بالرأي المجرد؛ فالذي يفتي الناس بغير علم ولا هدى من كتاب الله إنما يتبع هواه ويدخل في زمرة المعتدين الذين توعدهم الله.