تفسير الآثار في توحيد الألوهية وإحاطة العلم الإلهي:
أخرج الطبري (ج ١١، ص ٢٦٦-٢٧٣)مصدر غير محدد١١/٢٦٦ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي:
{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ}: «أي هو المعبود والإله المحمود الذي تألهه الخلائق وتعبده في السماوات وتعبده في الأرض؛ كقوله تعالى في سورة الزخرف: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ}؛ وقيل: هو الله ذو الجلال والعظمة يعلم ما في السماوات ويعلم ما في الأرض».
{يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ}: لا يخفى عليه ما أسررتم في ضمائركم وما أعلنتم بألسنتكم وجوارحكم.
{وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ}: يعلم ما تجترحونه وتعملونه من خير أو شر وسيجازيكم عليه بمثاقيل الذر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اللَّهُ
المألوه المعبود بحق ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.
سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
ما خفي واستتر، وما ظهر وبان.
تَكْسِبُونَ
تعملون وتجلبون لأنفسكم من الحسنات أو السيئات.
وَهُوَ
الواو استئنافية، هو ضمير منفصل مبتدأ مبني على الفتح.
اللَّهُ
لفظ الجلالة خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
فِي السَّمَاوَاتِ
متعلق بما تضمنه اسم الجلالة من معنى الألوهية والعبودية (أي هو المعبود في السماوات)؛ أو متعلق بمحذوف حال؛ أو متعلق بيعلم؛ وفي الأرض معطوف.
يَعْلَمُ
مضارع مرفوع والفاعل مستتر والجملة خبر ثانٍ لهو (أو مستأنفة).
سِرَّكُمْ
مفعول به منصوب والكاف مضاف إليه.
وَجَهْرَكُمْ
معطوف منصوب.
وَيَعْلَمُ
معطوف ومضارع وفاعله مستتر.
مَا
اسم موصول مفعول به مبني في محل نصب.
تَكْسِبُونَ
مضارع والواو فاعل وجملة الصلة لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان شمول الألوهية والرقابة على الملكوت بأسره:
ترابط محكم؛ بعد أن بيّن تفرده بالخلق والتقدير في الآيتين السابقتين، قرر هنا أن هذا الخالق العظيم هو الإله الأوحد المألوه في السماوات والأرض، فلا إله سواه في علو ولا سفل؛ وأتبع ذلك بتقرير كمال علمه المحيط بسرائر العباد وعلانيتهم وأعمالهم؛ ليتحقق في نفس المؤمن الخضوع لسلطانه، والمهابة من رقابته النافذة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق عقيدة أهل السنة في علو الله تعالى والرد على الحلولية والجهمية:
استدلت الجهمية والحلولية بظاهر قوله {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} ليزعموا أن الله بذاته حالٌّ في كل مكان وفي جوف المخلوقات!
ورد عليهم أئمة السلف والتحقيق (كالطبري والدارمي وابن تيمية وابن كثير) ببيان شافٍ:
المعنى: هو المألوه والمعبود في السماوات وفي الأرض: كما فسرها السلف وأيدها نص الزخرف الصريح {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ}؛ أي ألوهيته وعبادته نافذة فيهما معاً.
الوقف والتضمين: أو التقدير: وهو الله، يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض؛ فالظرف متعلق بالعلم؛ والله سبحانه بذاته بائن من خلقه مستوٍ على عرشه فوق سبع سماوات، وعلمه وسلطانه وقدرته وألوهيته محيطة بكل مكان لا يعزب عنه مثقال ذرة.
الطباق التام بين {سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ}: استيعاب وإحاطة بجميع حالات الإنسان الباطنة والظاهرة؛ وتقديم السر للدلالة على أن الخفي عند الله كالمعلن المشهود.
التعبير بـ {تَكْسِبُونَ}: إشعار بأن العمل عائد على صاحبه كسباً وغنماً إن كان خيراً، ووبالاً وغرماً إن كان شراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
توحيد الله في العبادة والانقياد، واليقين بأنه لا معبود بحق في الوجود إلا هو.
دوام المراقبة لله في السر والعلن، واستشعار اطلاعه على خلجات القلوب وخواطر النفوس.