أخرج ابن جرير الطبري (ج ١١، ص ٣١٥)مصدر غير محدد١١/٣١٥ عن السدي وقتادة في قوله تعالى: {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}: «أي انظر يا محمد متعجباً من هؤلاء المشركين كيف كذبوا على أنفسهم باعتذارهم الباطل وإنكارهم ما كانوا عليه في الدنيا مقيمين عليه؛ {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي بطل وغاب وذهب عنهم ما كانوا يختلقونه من شفاعة الأصنام وكونها تقربهم إلى الله زلفى».
وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد: «{وَضَلَّ عَنْهُم}: أي هلك وفاتهم ما كانوا يرجون من آلهتهم وأندادهم، فصارت هباءً منثوراً».
وذكر البغوي وابن كثير (ج ٣، ص ٢٥٤)مصدر غير محدد٣/٢٥٤: «الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل من يتأتى منه النظر؛ للتعجيب من جرأتهم على الكذب والافتراء حتى في عرصات القيامة، وكيف تبرأت منهم آلهتهم فلم يجدوا لها أثراً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
انظُرْ
أمر بالنظر القلبي التأملي للتعجب والاعتبار من أحوال أولئك المفضوحين.
كَذَبُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ
أضروا بأنفسهم بكذبهم وجحدوا الواقع المشهود، وصار كذبهم وبالاً وجناية على ذواتهم.
وَضَلَّ
غاب واضمحل وتلاشى وبطل أثره؛ من الضلال وهو الضياع.
يَفْتَرُونَ
يختلقونه من الكذب والشفاعة للأنداد.
انظُرْ
فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
كَيْفَ
اسم استفهام مبني في محل نصب حال؛ أو مفعول به مطلق، وعُلق فعل النظر عن العمل لفظاً لتصدر الاستفهام.
كَذَبُوا
ماضٍ والواو فاعل والجملة في محل نصب سدت مسد مفعول انظر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعقيب والتعجيب الإلهي من نهاية المفتري وخيبة مسعاه:
بعد أن عرض المشهد الصادم لحلفهم الكاذب: {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، وجه الخطاب فوراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى كل سامع ومبصر؛ للتعجيب من شقاء هؤلاء وانطماس بصائرهم؛ فكذبهم لم يدفع عنهم عذاباً ولم يجر لهم نفعاً، بل كان شاهداً على هلاكهم، في حين اختفت آلهتهم وتلاشت أوهامهم التي عاشوا يقاتلون عليها في الدنيا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دلالة "الكذب على النفس" وإفحام المعاندين:
قيل في قوله: {كَذَبُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} وجهان عقليان:
أنهم كذبوا كذباً عاد ضرره وجنايته على أنفسهم؛ فالمعتدي إنما يظلم نفسه.
أن كذبهم كان على ذات النفس بإنكار ما استقر في داخلها وعلمته علماً يقينياً؛ فالإنسان حين يجحد ما يعلمه قلبه يكون كاذباً على نفسه قبل أن يكذب على غيره، وهذا منتهى الانفصام والضياع المعرفي والأخلاقي.
صيغة الأمر {انظُرْ} واستعمال {كَيْفَ}: إبراز لعجائب أحوال هؤلاء المكذبين؛ فالمشهد بالغ الغرابة؛ مشهد أناس يواجهون ملك الملوك في دار الجزاء بالحلف الكاذب المكشوف.
إسناد الضلال إلى المفتريات {وَضَلَّ عَنْهُم}: استعارة تهكمية؛ صور أصنامهم وشفاعاتهم المزعومة بشيء تائه ضل طريقه في وادٍ سحيق فلم يهتدِ إليهم ولم ينجدهم في أحرج لحظات وجودهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتبار بمصير أهل الباطل؛ فكل مجد أو شفاعة أو ولاء يُبنى على غير التوحيد هو سراب يضل ويضمحل عند أول مواجهة مع الحقيقة.
الصدق مع النفس ومع الله في الدنيا؛ فإن من عاش على تبرير أهوائه وكذب على نفسه أوشك أن يهلك في مهاوي الخسران.