أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 48)جامع البيانالطبري١٢/٤٨ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا}: "يقول: وكما جعلنا في مكة أكابر مجرميها من قريش كأبي جهل وأبي لهب والوليد بن المغيرة ليمكروا فيها بالصد عن سبيل الله ومعاداة رسوله، كذلك جعلنا في كل قرية كُذّب رسلها كبراء ورؤساء في الإجرام والعتو يصدون عن الحق".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 331)مصدر غير محدد٣/٣٣١: "يقول تعالى: وكما جعلنا في قريتك يا محمد فساقاً ورؤساء وسادة وهم أكابر مجرميها يدعون إلى الكفر والضلال والصد عن سبيلك ومخالفتك ومحاربتك، كذلك كان في القرى السالفة من كذّب الرسل، كما قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا}... {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ} أي: وما يرجع وبال مكرهم وسوء صنيعهم إلا على أنفسهم، كما قال تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}، {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي: وما يفطنون لكون مكرهم ينقلب وبالاً وخسراناً عليهم في الدنيا والآخرة".
قال القرطبي (7/ 82)مصدر غير محدد٧/٨٢: "الأكابر جمع أكبر، والمجرمون هم المكتسبون للآثام؛ والمكر هو التدبير الخفي في الشر؛ فكان كبراء مكة يجلسون بسبل مكة يثبطون الناس عن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم ويزعمون أنه ساحر أو مجنون".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(قَرْيَةٍ): المدينة أو التجمع السكاني؛ من القَرْي وهو الجمع؛ لأنها تجمع الناس والأبنية.
(أَكَابِرَ): جمع أكْبَر، وهو العظيم في قومه بالجاه أو المال أو السطوة؛ ومؤنثه كبرى وجمعه كُبَر وأكابر.
(مُجْرِمِيهَا): جمع مجرم، وهو مرتكب الجريمة ومكتسب الإثم والفساد.
(لِيَمْكُرُوا): المَكْر هو صرف غيرك عما يقصده بحيلة وخفاء؛ ويكون مذموماً إذا كان في باطل وإضرار، ومحموداً إذا كان لدفع شر ونصرة حق.
الإعراب والتركيب:
{وَكَذَلِكَ}: الواو استئنافية للتسلية وبيان السنن، الكاف حرف جر واسم الإشارة مجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق (أي: جعلنا مثل ذلك الجعل).
{جَعَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{فِي كُلِّ قَرْيَةٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول به ثان لـ (جعلنا)، وقرية مضاف إليه.
{أَكَابِرَ}: مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الفتحة من غير تنوين لأنه ممنوع من الصرف على صيغة منتهى الجموع.
{مُجْرِمِيهَا}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم، وحُذفت النون للإضافة، والهاء مضاف إليه.
{لِيَمْكُرُوا}: اللام لام العاقبة والصيرورة أو لام التعليل المبنية على سنة الابتلاء، يمكروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها التثبيتي الاجتماعي: لما بيّن الله تعالى في الآية السابقة تباين المؤمنين عن الكافرين تباين النور والظلمات، كشف في هذه الآية عن طبيعة البنية الاجتماعية للصد عن سبيل الله؛ فالمكر بالرسل والدعوات لا ينطلق عادة من دهماء الناس وضعفائهم، بل يقوده ويتزعمه المترفون والأكابر وأصحاب النفوذ والمصالح الفاسدة الذين يخشون على عروشهم من سلطان العدل الإلهي؛ فسلّى الله رسوله بأن هذا سنة اجتماعية ماضية، وبشّره بأن مكرهم محكوم عليه بالبوار والانقلاب على رؤوسهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحليل البنية الاجتماعية للفساد واستكبار النخب:
تقرر الآية قانوناً اجتماعياً قرآنياً: "اقتران الترف والنفوذ بالجريمة والصد عن الحق"؛ فالأكابر إذا خلفت قلوبهم عن الإيمان، جعلوا جاههم وسلطانهم أداة للمكر وحماية مصالحهم الاستغلالية؛ ولهذا كانت معارك الأنبياء جميعاً في المقام الأول مع الملأ والمترفين {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ}.
قانون ارتداد المكر على الماكرين:
قوله {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ}: حقيقة قطعية؛ فالمكر السيئ مهما بلغ من التخطيط والدهاء ينتهي بحتمية تاريخية إلى إهلاك أصحابه؛ لأن مكرهم يستجلب مكر الله العدلي {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}، فيحيق بهم العذاب وتذهب سلطتهم وتبقى سيرتهم عبرة ولعنة في العالمين.
إضافة (أَكَابِرَ) إلى (مُجْرِمِيهَا): تشنيع بحالهم؛ فبدل أن تكون كبرياؤهم ورئاستهم سبباً في نجدة الحق والعدل، صارت سبباً في تزعم الجرائم والتفنن في المكر والخبث.
أسلوب القصر في قوله {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ}: بصيغة النفي والاستثناء؛ لبيان أن الخاسر الوحيد والضحية الحقيقية لمكرهم هم أنفسهم، في حين ينجو الحق ودعاته.
التذييل بـ {وَمَا يَشْعُرُونَ}: نفي لأدنى درجات الإدراك والشعور؛ تصويراً لفرط سكرتهم وغرورهم الذي حجب عنهم رؤية العواقب والمهالك.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
المكر بالدعوة إلى الله كمن ينطح الصخرة برأسه؛ فلن تنكسر الصخرة وإنما سيتشظى رأس الناطح؛ فالدعوة محمية برعاية ربها، والماكرون وقود لزوال أنفسهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات واليقين في مواجهة المؤامرات:
تطمين الدعاة والمصلحين عند مواجهة التحالفات المعادية؛ فلا يرهبهم مكر النخب المجرمة ولا خططهم الإعلامية والسياسية؛ لأن الله كشف نهايتهم المحتومة بأن مكرهم يرتد إلى نحورهم.
التحذير من اغترار الماكرين بنفوذهم:
موعظة بليغة لكل من يستغل موقعه أو رئاسته أو قلمه في محاربة الحق والعدل؛ بأنه يوقع بنفسه في شباك الهلاك وهو يحسب أنه ينتصر لدولته أو مصالحه.