أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٢٨٥)جامع البيانالطبري١١/٢٨٥ وابن أبي حاتم في "تفسيره" عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}: «أي وله كل شيء استقر وهدأ في ظلمة الليل وسعى في ضياء النهار؛ والمراد جميع المخلوقات من ساكن ومتحرك خلقاً وملكاً وعبيداً».
وروى البغوي في "معالم التنزيل" (ج ٣، ص ١٣٠)معالم التنزيلالبغوي٣/١٣٠ عن قتادة: «{مَا سَكَنَ}: أي ما حل وسكن وهدأ، واكتفى بذكر الساكن عن المتحرك لدلالة السكون على القرار، أو لأن كل متحرك يؤول إلى السكون».
ونقل ابن كثير (ج ٣، ص ٢٤٧)مصدر غير محدد٣/٢٤٧ عن ابن جرير ترجيحه: «أن المراد: وله كل شيء من خلق في الزمانين: الليل والنهار، وكلهم عبيده وتحت قهره وسلطانه، وهو السميع لأقوال عباده وسكناتهم، العليم بحركاتهم وضمائرهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
سَكَنَ
السكون ضد الحركة؛ ويطلق السكون أيضاً على القرار والاستيطان والإقامة؛ يقال: سكن في الدار أي استوطنها وقرّ فيها.
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
الوعاءان الزمانيان المستغرقان لجميع أحداث العالم ومخلوقاته.
السَّمِيعُ
المحيط سمعه بجميع الأصوات سرها وجهرها.
الْعَلِيمُ
المحيط علمه بجميع الكائنات وما تخفيه الصدور.
وَلَهُ
الواو عاطفة، له جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
مَا
اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر.
سَكَنَ
فعل ماضٍ والفاعل مستتر والجملة صلة الموصول.
فِي اللَّيْلِ
جار ومجرور متعلق بسكن.
وَالنَّهَارِ
معطوف مجرور.
وَهُوَ
الواو استئنافية أو حالية، هو ضمير منفصل مبتدأ.
السَّمِيعُ
خبر أول للمبتدأ مرفوع بالضمة.
الْعَلِيمُ
خبر ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحاطة الملكية المكانية والزمانية في تناسق محكم:
في الآية السابقة قرر الملكية المكانية المحيطة: {قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}؛ ثم أتبعها في هذه الآية بالملكية الزمانية العامة المستغرقة: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}؛ فانتظم في الآيتين استغراق أقطار الوجود مكاناً وزماناً؛ فلا يخرج عن ملكه وسلطانه شيء حل في أرجاء السماوات والأرض، ولا حدث جرى في تعاقب الليل والنهار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تخصيص الساكن دون المتحرك وإحكام الرد عليها:
قد يستشكل مستشكل: كيف قال {مَا سَكَنَ} والمخلوقات فيها ساكن ومتحرك؟!
والجواب من وجوه لغوية وعقلية حاسمة ذكرها أئمة التفسير والبيان:
أسلوب الاحتباك أو الاكتفاء في كلام العرب؛ كقوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} واكتفى بذكر الحر عن البرد؛ فذكر الساكن لدلالته على المقابل وهو المتحرك.
أن "السكون" هنا بمعنى الاستقرار والحلول والوجود، كقولك: سكن فلان البلدة أي أقام بها سواء كان ساكناً أو متحركاً في أعماله.
أن السكون هو الأصل في الأجسام والحركة طارئة عارضة، وكل متحرك مصيره إلى السكون؛ فالتعبير بالسكون أبلغ في الدلالة على الخضوع والاستسلام لقيومية الخالق.