أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٩٥)جامع البيانالطبري١١/٣٩٥ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}: «أي يصيبهم عذاب الله الأليم في الدار الآخرة بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله وأمره، وكفرهم بآياته وحججه التي أنزلها على رسله».
وروى الطبري عن السدي: «الفسق هنا: التمرد والخروج عن أمر الله والتمادي في التكذيب والمعاصي؛ فالعذاب جزاء عادل على ما كسبت أيديهم».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٧٤)مصدر غير محدد٣/٢٧٤: «يقابل تعالى بين مصير المؤمنين ومصير المكذبين؛ فبين أن المكذبين لا ينالون أماناً، بل يمسهم العذاب مساً مباشراً بسبب فسوقهم المتكرر وعنادهم المستمر».
الفسق في أصل اللغة الخروج؛ يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها؛ وفسق العبد إذا خرج عن طاعة ربه وتمرد على أمره.
وَالَّذِينَ
الواو عاطفة للمقابلة، الذين اسم موصول مبتدأ.
كَذَّبُوا
ماضٍ والواو فاعل وجملة كذبوا صلة الموصول لا محل لها.
بِآيَاتِنَا
متعلق بكذبوا ونا مضاف إليه.
يَمَسُّهُمُ
مضارع مرفوع بالضمة والهاء مفعول به والميم للجمع.
الْعَذَابُ
فاعل يمسهم مرفوع بالضمة، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (الذين).
بِمَا
الباء حرف جر للسببية والتعليل، ما مصدرية (أو موصولة).
كَانُوا
ماضٍ ناقص واسمه الواو.
يَفْسُقُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة خبر كانوا، والمصدر المؤول (ما كانوا يفسقون) في محل جر بالباء متعلق بيمسهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الاعتقادية والجزائية بين الفريقين:
تقابل قرآني بديع؛ فبعد أن بين في الآية السابقة مصير أهل الإيمان والإصلاح وأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، عقب هنا ببيان مصير المكذبين الفاسقين، فأثبت أن العذاب يمسهم ويلازمهم؛ ليتضح للمكلف الطريقان وتنكشف العاقبتان في وضوح تام لا لبس فيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حجية باء السببية في نفي الظلم وإثبات مسؤولية العبد الجنائية:
التنصيص على باء السببية في {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} يؤكد القاعدة العقدية الكبرى لأهل السنة والجماعة: أن عذاب الله للمكذبين هو عدل محض صادر عن استحقاقهم وجنايتهم؛ فالله لا يعذب أحداً ابتداءً بلا ذنب، بل العذاب ثمرة الفسق والخروج الإرادي عن طاعة الله؛ فبطلت مزاعم الجبرية الذين يصورون العذاب كأنه إيقاع عقوبة بغير سبب ولا كسب.
التعبير بالفعل المضارع {يَمَسُّهُمُ} و {يَفْسُقُونَ} المقترن بـ {كَانُوا}: يفيد التجدد والاستمرار؛ فالعذاب يتجدد عليهم كما كان فسقهم وخروجهم عن الطاعة متكرراً متجدداً في الدنيا؛ فالجزاء من جنس العمل.
التعبير بـ {يَمَسُّهُمُ}: إشعار بأن أدنى مساس من ذلك العذاب كافٍ في إهلاكهم وإذهاب كل لذة كانوا ينعمون بها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من خطوات الفسق والتمرد على أوامر الشرع؛ فإن الفسق يبدأ بالتهاون بالصغائر ثم يستحكم حتى يقود إلى التكذيب والعياذ بالله.
تعليق الرجاء برحمة الله والخوف من عذابه، وملازمة الاستقامة والتوبة النصوح لتفادي مساس العذاب.