أقوال السلف وأئمة التفسير في دلالة السير والنظر في مصارع الغابرين:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٢٧٨)جامع البيانالطبري١١/٢٧٨ عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} قال: «يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين الساخرين المكذبين بآيات الله: سيروا في منازل عاد وثمود وقوم لوط، فانظروا بعيون قلوبكم وأبصاركم كيف أهلكهم الله ودمر عليهم لما كذبوا رسله، فاحذروا أن يحل بكم ما حل بهم».
وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (ج ٦، ص ٣٩١)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٦/٣٩١: «السير المأمور به هنا سير عبرة وتفكر، لا سير نزهة وبطر؛ فالمعنى: اعتبروا بديار من كان قبلكم وما نزل بهم من الخسف والمسخ والاستئصال حين كفروا بأنعم الله وكذبوا رسله».
وأورد ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٤٥)مصدر غير محدد٣/٢٤٥: «أي: انظروا ما أحل الله بالأمم السالفة الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره، من العذاب والنكال والدمار، وكيف أنجى الله عباده المؤمنين ورسله الكرام؛ لتتيقنوا صدق ما جاءكم به نبيكم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
سِيرُوا
السير هو الانتقال في الأرض على الأقدام أو الرواحل؛ والمراد به هنا السير الحسي المصحوب بالسير العقلي التأملي.
ثُمَّ انظُرُوا
النظر هنا نظر البصيرة والاعتبار؛ وجاء الترتيب بـ {ثُمَّ} للتنبيه على أن مجرد السير الحسي في الأرض ورؤية الأطلال لا يفيد وحده إلا إذا أعقبه تأمل واعتبار وتفكر في أسباب الزوال.
عَاقِبَةُ
العاقبة هي آخر كل شيء وخاتمته ومصيره، من عقب الشيء إذا جاء بعده.
الْمُكَذِّبِينَ
الذين جحدوا الحق ورموا الرسل بالكذب عناداً واستكباراً.
قُلْ
فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
سِيرُوا
فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل فاعل، والجملة مقول القول.
فِي الْأَرْضِ
جار ومجرور متعلق بسيروا.
ثُمَّ
حرف عطف يفيد التراخي الرتبي للارتقاء من السير البدني إلى النظر البصيري.
انظُرُوا
فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
كَيْفَ
اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان مقدماً؛ وعُلّق فعل النظر عن العمل لفظاً لتصدر الاستفهام.
كَانَ
فعل ماضٍ ناقص ناسخ.
عَاقِبَةُ
اسم كان مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.
الْمُكَذِّبِينَ
مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة {كَيْفَ كَانَ...} في محل نصب سدت مسد مفعولي انظروا إن عُدّي لاثنين أو مفعوله إن عُدّي لواحد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اتصال الأمر بالسير بحيقان العذاب بالساخرين في الآية السابقة:
بعد أن قرر في الآية العاشرة أن الاستهزاء حاق بالأمم السابقة فأهلكهم ({فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ})، أحالهم هنا في الآية الحادية عشرة على المشاهدة العيانية لتلك العواقب؛ كأنه يقول: إن كنتم ترتابون في حلول نقم الله بالمكذبين، فها هي ديارهم وآثارهم في طريق رحلاتكم إلى الشام واليمن تشهد بخرابهم واستئصالهم؛ فالسياق انتقال برهاني من تقرير الحقيقة التاريخية الغائبة إلى الاستشهاد بالآثار الواقعية المحسوسة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حجية الدليل الاستقرائي والتاريخي في إثبات السنن الإلهية:
تؤسس الآية لمنهج الاستقراء التاريخي الميداني؛ فالقرآن لا يطالب بالإيمان المجرد عن البينة، بل يدعو إلى تحكيم العقل في قراءة سنن الاجتماع البشري؛ وإذا كان المشركون يزعمون أن ما حل بالأولين كان صدفة أو نوائب دهر، فإن تعميم الهلاك على كل مكذب مع بقاء أثر دمارهم وانقطاع دابرهم يقطع بأن هذا الجزاء سنّة مطردة لقوة عليا حاكمة بالعدل، لا صدفة عمياء.
التراخي المعنوي بـ {ثُمَّ} بين السير والنظر: نكتة بلاغية دقيقة؛ فكثير من الناس يسيرون في ديار الهالكين وينظرون بأعين رؤوسهم فلا يرون إلا حجارة بالية، أما المؤمن فيتأمل ببصيرته؛ فجاءت {ثُمَّ} لترتقي بالعقل من مجرد الحركة الجسدية إلى مرتبة التدبر واستخلاص العبر.
التنكير في الاستفهام بـ {كَيْفَ}: لإفادة التعظيم والتهويل لعاقبة التكذيب؛ أي: كيف كان هلاكهم فظيعاً مدمراً لا مبقي له ولا مذر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توظيف الشواهد التاريخية والآثار المادية في الخطاب الدعوي لتذكير الغافلين بعواقب الغرور والاستكبار.
غرس خشية الله في القلب عند المرور بمواطن العذاب، والامتثال لهدي النبي صلى الله عليه وسلم حين مر بديار ثمود مقنعاً رأسه مسرعاً باكياً أو متباكياً.