أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 121)جامع البيانالطبري١٢/١٢١ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا}: "الحمولة: ما يحمل عليه من الإبل والخيل والبغال والحمير، والفَرْش: الصغار من الإبل والغنم والبقر التي لا يُحمل عليها، وإنما تُتخذ للأكل واللبن والنسل وأصوافها وأوبارها وأشعارها فتُفرش ويُجلس عليها".
وروى مجاهد وقتادة والضحاك: "الحمولة: كبار الإبل والبقر التي تطيق الحمل والركوب، والفرش: الغنم والضأن والمعز وفصال الإبل التي تفترش للأرض لقصرها وصغرها ولا تطيق الحمل".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 348)مصدر غير محدد٣/٣٤٨: "يقول تعالى ممتناً على عباده بما خلق لهم من الأنعام وسخرها لهم؛ فمنها حمولة تحمل أثقالهم وأمتعتهم إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، ومنها فَرْش يُفترش ويُذبح وينتفع بصوفه وشعره... {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} أي: من هذه الأنعام ولحومها وألبانها وثمارها، {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي: طرائقه وأوامره في تحريم ما أحل الله من البحيرة والسائبة والوصام والحام، {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي: بين العداوة لا يأمركم إلا بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(حَمُولَةً): فَعُولَة بمعنى مَفْعُولَة؛ أي ما يُحمل عليه الأثقال من الإبل والبقر والدواب الكبار.
(فَرْشًا): الفَرْش ما قصر ودنا من الأرض من الحيوانات الصغيرة كالغنم، وسُميت فرشاً لأنها لا تُركب بل تُفرش للذبح، أو يُفرش صوفها ووبرها في البيوت أثاثاً ومتاعاً.
(خُطُوَاتِ): جمع خُطْوَة، وهي المسافة بين القدمين عند المشي؛ وخطوات الشيطان مسالكه وطرائقه ووساوسه وبدعه.
الإعراب والتركيب:
{وَمِنَ الْأَنْعَامِ}: الواو عاطفة على (جنات)، والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف معطوف على (أنشأ) تقديره: وأنشأ من الأنعام.
{خُطُوَاتِ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{الشَّيْطَانِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
{إِنَّهُ}: إن واسمها.
{لَكُمْ}: متعلق بـ (مبين) أو بـ (عدو).
{عَدُوٌّ}: خبر (إنّ) مرفوع بالضمة.
{مُّبِينٌ}: نعت مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتكامل الامتنان النباتي والحيواني: بعد أن بين الله نعمته الكبرى في الزروع والثمار والنخيل (عالم النبات) في الآية 141، أردفها فوراً ببيان نعمته العظمى في الأنعام والدواب (عالم الحيوان)؛ ليكتمل مشهد النعم التي تقوم عليها حياة البشر في مطاعمهم ومشاربهم ومراكبهم وأثاثهم؛ ثم كرر الأمر بالأكل من هذا الرزق المبارك، ونهى عن وساوس الشيطان وبدعه التي تسلب الإنسان هذه النعم بالتحريم الجاهلي الزائف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض فلسفات الامتناع عن أكل اللحوم بغير مبرر شرعي:
تقرر الآية أن الله سخر الأنعام للأكل والانتفاع {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ}؛ فدعاوى الامتناع التام عن أكل اللحوم أو تحريم ذبح الحيوانات بداعي الشفقة المزعومة هي من اتباع خطوات الشيطان؛ لأن الخالق الذي وهب الحياة لهذه الحيوانات هو الذي أذن بذبحها رحمة بالإنسان وجعل في ذكاتها طهارة وغذاءً، وشرع الرفق بها والإحسان في ذبحها كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» (رواه مسلم).
التقسيم الحاصر الدقيق في {حَمُولَةً وَفَرْشًا}: استيعاب رائع لجميع أصناف الأنعام بين ما يحمل الأثقال الضخمة وبين ما يفترش للذبح والأصواف والجلود.
الاستعارة التمثيلية في {خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}: تصوير لإغواء الشيطان بالخطوات المتدرجة التي تستدرج الإنسان خطوة خطوة من البدعة الصغيرة إلى الشرك الأكبر وتحريم الحلال.
التذييل التعليلي {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}: تذكير بالعداوة الأزلية التاريخية بين إبليس وبني آدم؛ فكيف يطيع العاقل عدوه الذي يسعى لإهلاكه في الدنيا والآخرة؟!
اللطائف الإشارية والتدبرية:
تسخير الحيوانات الضخمة للإنسان الضعيف آية ربانية مذهلة؛ فالجمل الضخم يقوده طفل صغير ويحمل عليه مئات الكيلوغرامات خاضعاً ذلولاً بتقدير العزيز العليم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من التدرج الشيطاني:
اليقظة لمسارب الشيطان؛ فالشيطان لا يأمر بالمنكر الأكبر دفعة واحدة، بل يخطو بالإنسان خطوات تزيينية تبدأ بالتهوين والشكوك والبدع حتى توقعه في الردى.
شكر نعم الأنعام والرفق بالحيوان:
رعاية الأنعام وشكر الله على تسخيرها واستعمالها في المباحات، والنهي عن تعذيبها أو تحميلها ما لا تطيق.