أخرج الإمام مسلم في "صحيحه" (كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم 771)مصدر غير محددحديث رقم ٧٧١ وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت...».
أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 223)جامع البيانالطبري١٢/٢٢٣ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي}: "النسك: الذبيحة؛ أي ذبحي في الحج والعمرة والأضاحي؛ وكان المشركون يذبحون لأصنامهم ويصلون لآلهتهم، فأمر الله نبيه أن يخلص صلاته وذبحه وجميع حياته ومماته لله وحده لا شريك له".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 371)مصدر غير محدد٣/٣٧١: "يأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه، بأنه مخالف لهم في ذلك؛ فإن صلاته لله وحده، ونسكه أي ذبيحته على اسمه وحده لا شريك له، كقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}؛ فهاتان العبادتان (الصلاة والذبح) هما أجل العبادات البدنية والمالية، وإخلاصهما لله هو حقيقة التوحيد... ومحياي ومماتي؛ أي ما أعمله في حياتي وما يجريه الله عليّ، وما أموت عليه؛ كل ذلك لله خالصاً لوجهه الكريم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(نُسُكِي): النُّسُك في الأصل: العبادة والطاعة والتقرب؛ واستُعمل غالباً في الذبائح وإراقة الدماء في الحج والأضاحي؛ ومنه المَنَاسِك.
(مَحْيَايَ): مصدر ميمي أو اسم زمان ومكان من الحياة؛ أي حياتي وأعمالي وعمري فيها.
(مَمَاتِي): مصدر ميمي أو اسم زمان من الموت؛ أي وفاتي وما أختم به عمري ومصيري.
الإعراب والتركيب:
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر تقديره أنت.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب ينصب الاسم ويرفع الخبر.
{صَلَاتِي}: اسم (إنّ) منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء مضاف إليه.
{الْعَالَمِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
القراءات المتواترة في ياءات الإضافة:
قرأ الجمهور وحفص: {مَحْيَايَ} بإسكان الياء وفتح الياء التي قبلها مع المد المشبع الطويل للساكنين كقراءة نافع، أو بفتح ياء الإضافة {مَحْيَايَ} كقراءة الجمهور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وذروة سنام التجريد والتوحيد: هذه الآية الكريمة هي أعظم إعلان دستوري للعبودية الخالصة والتفويض الكامل لله رب العالمين؛ فبعد أن بين أن صراطه هو ملة إبراهيم، فصّل هنا مظهر هذه الملة: استغراق الكينونة الإنسانية كلها لله؛ العبادات الشعائرية (الصلاة)، والعبادات المالية التضحوية (النسك)، وكل لحظة وفعل في الحياة (المحيا)، والخاتمة والمصير (الممات)؛ فالكل ملك لله وتحت سلطانه ولابتغاء وجهه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق العبودية التامة وشمولها لكل مناحي الحياة:
تدحض الآية كل تصور قاصر يعزل الدين عن شؤون الحياة ويحصره في زوايا الصلاة الضيقة؛ فالقرآن يقرن بين {صَلَاتِي وَنُسُكِي} (الشعائر) وبين {مَحْيَايَ وَمَمَاتِي} (الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمصير النهائي)؛ فالمسلم يحيا لله، ويفكر لله، ويعمل لله، ويموت في سبيل الله؛ فلا علمانية ولا فصل بين الدين والحياة في الإسلام.
الاستيعاب الوجودي العام التام: عبر ذكر (الصلاة، والنسك، والمحيا، والممات)؛ فلم يبقَ شيء من وجود الإنسان وظاهره وباطنه إلا شملته العبودية لله.
الطباق البديع: بين (مَحْيَايَ) و(مَمَاتِي).
اللام في {لِلَّهِ}: تفيد اللام هنا الملكية والاستحقاق والخلوص التام؛ فلا حظ لمخلوق ولا لرياء في ذرة منها.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
ما أعظم حرية المؤمن حين يتحرر من عبودية الأوثان والأشخاص والشهوات، فيجعل حياته ومماته ملكاً خالصاً لمن بيده ملكوت كل شيء! حينئذٍ يذوق حلاوة الإيمان وسكينة الروح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد الإخلاص لله في كل سكنة وحركة:
تدريب النفس على استحضار النية الصالحة في المباحات؛ فالنوم والأكل والعمل والنفقة إذا نُوِي بها التقوي على طاعة الله صارت كلها داخلة في {مَحْيَايَ لِلَّهِ}.
الاستعداد للرحيل وحسن الخاتمة:
أن يعيش العبد لله ليموت على الإيمان والتوحيد؛ فمن عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه.