أسباب النزول ومرويات الباب: نزلت هذه الآية الكريمة ردّاً قاطعاً وبرهاناً ساطعاً على مشركي العرب الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، وعلى النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله، واليهود الذين قالوا عزير ابن الله؛ تعالى الله عن إفكهم علواً كبيراً. أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (11/ 560)جامع البيانالطبري١١/٥٦٠ بسنده عن قتادة والسدي في قوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} قالا: ابتدعهما وخلقهما على غير مثال سابق ولم يكن قبلهما شيء.
توجيهات أئمة السلف والتفسير:
ذكر الإمام الطبري أن الآية تسوق الحجة العقلية البديهية لدحض نسبة الولد إليه سبحانه؛ فالولد لا يتأتى إلا بين جنسين متجانسين، وبوجود صاحبة وزوجة، والله تعالى مبدع الأكوان وخالقها من عدم، ولا نظير له ولا كفء ولا صاحبة، وهو خالق كل شيء ومن جملتها هؤلاء المزعومون بنوّتهم، فكيف يكون المخلوق المملوك ولداً لخالقه ومالكه؟!
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 311)مصدر غير محدد٣/٣١١: "أي: ابتدعهما وأنشأهما وأحدثهما على غير مثال سبق... فكيف يكون له ولد ولم تكن له صاحبة؟ أي: والولد إنما يكون عن تضايف شيئين متماثلين، والله تعالى لا شبيه له ولا نظير ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد؟! كما قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}".
قرر الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (7/ 52)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٥٢ أن هذه الآية جمعت أصول البرهان العقلي في التوحيد؛ فنفت الأشباه والنظائر والصاحبة والولد، وأثبتت الخلق العام المطلق والعلم المحيط بكل معلوم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(بَدِيعُ): فعيل بمعنى مُفْعِل كـ (أليم بمعنى مؤلم)، أو بمعنى فاعل كـ (عليم بمعنى عالم)؛ من (ب د ع)، وهو إنشاء الشيء وإحداثه واختراعه على غير مثال سابق. ومنه سُميت البدعة في الدين لكونها إحداثاً لما لم يشرعه الله ورسوله.
(أَنَّى): اسم استفهام مبني يأتي للإنكار والتعجب واستبعاد الوقوع، ويتضمن معنى (كيف) أو (من أين).
{بَدِيعُ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو بديعُ)، أو مبتدأ لخبر متأخر، أو نعت لاسم الجلالة في الآية السابقة.
{السَّمَاوَاتِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{أَنَّى}: اسم استفهام في محل نصب حال من الضمير المستكن أو ظرف متعلق بـ (يكون).
{يَكُونُ}: فعل مضارع ناقص ناسخ يرفع الاسم وينصب الخبر.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (يكون) مقدم.
{وَلَدٌ}: اسم (يكون) مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
{وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ}: الواو حالية، لم حرف نفي وجزم وقلب، تكن فعل مضارع ناقص مجزوم، له خبر مقدم، صاحبة اسم تكن مؤخر مرفوع.
{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}: الواو عاطفة، خلق فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، كل مفعول به، شيء مضاف إليه.
{وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: الواو استئنافية أو حالية، هو ضمير منفصل مبتدأ، عليم خبره، وبكل شيء جار ومجرور متعلق بـ (عليم).
القراءات والتوجيه: قرأ الجمهور {بَدِيعُ} بالرفع على الخبرية، وقُرئ في الشواذ بالنصب على المدح أو الحالية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية واتصالها: لما فنّد الله تعالى في الآية السابقة مقالة المشركين في اتخاذ الشركاء من الجن وخلقهم لله بنين وبنات بغير علم، أعقب ذلك بهذه الآية لإرساء البراهين العقلية الدامغة لنفي هذه النسبة الباطلة؛ فجاءت الآية ببرهان رباعي الأركان:
كونه خالق كل موجود ومُوجده من العدم {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} فالمخلوق عبد ممتنع عن البنوة.
علمه المحيط بكل شيء {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} مما ينفي الجهل والافتقار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة توالد الآلهة ونفي التجسيم:
يتوهم المشركون والوثنيون عبر التاريخ أن الآلهة تتكاثر وتتوالد كما يتوالد البشر والحيوان؛ فبينت الآية بطلان هذا التصور الفاسد؛ لأن الولد مقتطع من أصل والديه، مفتقر إلى تجانس المشيجين بين ذكر وأنثى من جنس واحد، والله تعالى واجب الوجود، قديم أزلي لا بداية له، ليس كمثله شيء، فلو جاز أن يكون له ولد لكان الولد إما قديماً فيلزم تعدد القدماء الواجبي الوجود وهو مستحيل عقلاً، وإما حادثاً فيكون مخلوقاً مربوباً وهو ينافي حقيقة البنوة الإلهية المزعومة.
قوله {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}: عموم كلي تام يستغرق كل ما سوى الله تعالى؛ فكل ما عدا الله فهو مخلوق مربوب، والولد شيء قطعاً، فإذا كان مخلوقاً استحال أن يكون ولداً؛ لأن البنوة تناقض المخلوقية والعبودية تناقضاً جذرياً.
التنكير في (وَلَدٌ) و(صَاحِبَةٌ): لاستغراق الجنس ونفي أي فرد منهما كائناً ما كان.
التذييل المحكم المانع: في قوله {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} للدلالة على أن خلقه للأشياء صادر عن علم تام وحكمة بالغة، فلا يعتريه خطأ ولا نقص.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
إذا كان الله هو بديع السماوات والأرض، وهو الذي أوجد هذا العالم البديع المتناسق بلا عون ولا مثال سابق، فإنه القادر على أن يبدع للعبد مخارج من كل ضيق، وأن ينشئ في قلبه أنوار المعرفة والطمأنينة دون أسباب دنيوية مألوفة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والمحاورة الفكرية:
استخدام المنهج القرآني في مجادلة المخالفين وأصحاب العقائد الفاسدة بالبراهين العقلية الفطرية الواضحة التي لا تقبل المغالطة.
تربية المسلم على استشعار عظمة الله وتنزيهه عن سمات النقص والافتقار إلى الأنداد والأولاد؛ فالمؤمن بالله يعيش حراً من رق المخلوقين لأنه يعبد الإله الأحد الصمد الفرد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
الأثر القلبي والعملي:
امتلاء القلب باليقين والتوكل على من خلق كل شيء وعلم كل شيء؛ فإذا أيقنت أن ربك محيط بكل ذرة في الكون، سكنت جوارحك إلى تدبيره وتلاشت مخاوفك من الخلق أجمعين.