حقيقة الهداية وخطورة الشرك المحبط للأعمال في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٣١)جامع البيانالطبري١١/٥٣١ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}: «أي ذلك التوحيد والإخلاص والاصطفاء الذي وفقنا له هؤلاء الأنبياء هو هدى الله الحق وطريقه المستقيم، يوفق له ويهدي إليه من يشاء من خلقه بلطفه ورحمته؛ {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي لو أشرك هؤلاء الأنبياء العظام بالله فرقة أو عبدوا معه غيره، لبطلت حسناتهم وأعمالهم الصالحة وذهبت هباءً منثوراً؛ فإذا كان هذا في حق صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين لو أشركوا، فكيف بغيرهم من سائر الناس؟!».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣١٢)مصدر غير محدد٣/٣١٢: «هذا تشديد عظيم لعظمة أمر الشرك وتغليظ خطره، وبيان أنه محبط لكل عمل مهما جل وعظم؛ كقوله تعالى لسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ذَٰلِكَ
الإشارة إلى الصراط المستقيم ودين التوحيد والاجتباء المذكور؛ والبعد للتعظيم.
هُدَى اللَّهِ
دين الحق والشريعة المحكمة والتوفيق للإيمان.
لَحَبِطَ
الحبوط هو الفساد والبطلان وسقوط الأجر؛ وأصله في اللغة من الحَبَط، وهو أن تأكل الماشية نبت الذرق فتكثر منه حتى تنتفخ بطونها فتنحر وتموت؛ فالمعاصي والشرك تذهب الأعمال كما يهلك الحبط الدابة.
ذَٰلِكَ
اسم إشارة مبتدأ واللام للبعد والكاف للخطاب.
هُدَى
خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الألف وهو مضاف.
اللَّهِ
لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
يَهْدِي
مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر تقديره هو والجملة في محل نصب حال من الهدى (أو خبر ثانٍ).
بِهِ
متعلق بيهدي.
مَن
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ يهدي.
يَشَاءُ
مضارع وفاعله مستتر والجملة صلة من.
مِنْ عِبَادِهِ
متعلق بمحذوف حال من من والهاء مضاف إليه.
وَلَوْ
الواو اعتراضية أو استئنافية، لو حرف شرط امتناع لامتناع.
أَشْرَكُوا
ماضٍ والواو فاعل وجملة الشرط.
لَحَبِطَ
اللام واقعة في جواب لو، حبط ماضٍ مبني على الفتح.
عَنْهُم
متعلق بحبط.
مَّا
اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ حبط.
كَانُوا
ماضٍ ناقص واسمه الواو.
يَعْمَلُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة خبر كانوا، وجملة كانوا صلة ما، وجملة حبط جواب لو لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الحسم العقدي الصارم وقفل أبواب الاتكال على الأنبياء:
تعقيب إلهي صارم بعد ذكر تلك الكوكبة المباركة من الأنبياء؛ فبعد أن أثنى عليهم وفضلهم ورفع درجاتهم، قرر هذا الحكم الكلي الذي لا محاباة فيه لأحد: الشرك يحبط جميع الأعمال ولو صدر فرضا مستحيلا من هؤلاء الرسل المصطفين؛ فكيف يجرؤ مشرك مكة أو غيره أن يرجو نجاة أو شفاعة وهو مقيم على الشرك؟! فكانت الآية صدمة تقطع حبال الغرور وتثبت أصالة التوحيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق دلالة الشرط المستحيل في {وَلَوْ أَشْرَكُوا} وتنزيه الأنبياء عن الشرك:
كيف يقول: {وَلَوْ أَشْرَكُوا} والأنبياء معصومون من الشرك قطعا؟!
والتحقيق الأصولي العقدي لأهل السنة (ابن تيمية، والقرطبي، والشنقيطي):
أن "لو" حرف امتناع لامتناع؛ فالشرط مفروض على وجه التقدير والمبالغة لبيان عظم المفسدة؛ كقوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ}، وقوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}؛ فالشرط ممتنع محال وقوعه، ولكن الغرض بيان أثر الشرك لو قُدّر وجوده.
التنبيه بالأعلى على الأدنى؛ فإذا كان خيار الخلق وصفوة الرسل لو أشركوا لحبطت أعمالهم الصالحة العظيمة، فغيرهم من سائر البشر أولى بحبوط العمل والخسران؛ فالمقصد هو تحذير الأمة من الشرك وقطع أي تساهل فيه.