مرويات الباب وتفسير تمييز الجاهلية بين الذكور والإناث:
أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 107)جامع البيانالطبري١٢/١٠٧ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله تعالى: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا}: "كانت البحيرة والسائبة إذا نتجت، فإن وُلد الجنين حياً جعلوه خالصاً لرجالهم وذكورهم دون الإناث والنساء؛ فلا تذوق المرأة منه شيئاً، وإن وُلد الجنين ميتاً (أي سقط ميتاً) اشترك الرجال والنساء جميعاً في أكله! فقال الله تبارك وتعالى راداً على هذا التناقض السخيف: {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 345)مصدر غير محدد٣/٣٤٥: "هذا نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم وتحكمهم بالأهواء؛ كانوا يخصون ذكورهم بما يولد حياً من بعض الأنعام المحرمة، ويحرمونه على إناثهم؛ وأما إن خرج ميتاً فإنهم يشتركون فيه جميعاً رجالاً ونساءً... {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي: قولهم وافتراءهم وتحليلهم وتحريمهم بالباطل، {إِنَّهُ حَكِيمٌ} في أفعاله وشرعه وقضائه، {عَلِيمٌ} بصنائع عباده وما يفترونه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(خَالِصَةٌ): الخالص هو الصافي النقي الذي لا شوب فيه ولا يشاركه فيه غيره؛ وخالصة لذكورنا: خاصة ومقصورة عليهم لا حظ فيها للنساء.
(أَزْوَاجِنَا): المراد بالأزواج هنا: النساء والحلائل؛ والزوج يقع على الذكر والأنثى في لغة القرآن الفصيحة.
(وَصْفَهُمْ): الوصف هنا هو كذبهم وتحريفهم وتسميتهم الحلال حراماً والحرام حلالاً؛ كما في قوله: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ}.
الإعراب والتركيب:
{وَقَالُوا}: الواو عاطفة، قالوا فعل وفاعل.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{وَصْفَهُمْ}: مفعول به ثان لـ (يجزيهم) على حذف مضاف تقديره (جزاء وصفهم)، أو منصوب بنزع الخافض (أي على وصفهم).
{إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}: إن واسمها وخبراها المرفوعان.
القراءات المتواترة والتوجيه النحوي:
قرأ الجمهور وحفص: {خَالِصَةٌ} بالرفع على الخبرية وتأنيث اللفظ. وقرأ ابن عباس وأبو حيوة والشواذ بالنصب {خَالِصَةً} على الحالية، والخبر {لِّذُكُورِنَا}.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً} بياء التذكير ونصب {مَّيْتَةً} على الخبرية لكان الناقصة.
وقرأ نافع: {وَإِن تَكُن مَّيْتَةٌ} بتاء التأنيث ورفع {مَّيْتَةٌ} على أن كان تامة وميتة فاعلها.
وقرأ ابن كثير في رواية وأبو بكر عن عاصم: {وَإِن تَكُن مَّيْتَةً} بالتاء والنصب. وكلها وجوه فصيحة في تذكير الضمير وتأنيثه رعاية للفظ (ما) أو لمعناه (الأجنة والميتة).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وبيان التهافت الأخلاقي والتشريعي للوثنية: هذه الآية تكشف التناقض السلوكي والمزاجي للتشريع الجاهلي:
إذا كان الجنين حياً طاهراً طيباً، استأثر به الرجال الذكور وحرموه على النساء والزوجات ظلماً واستعلاءً ذكورياً جائراً!
وإذا كان الجنين ميتاً خبيثاً عفناً نجساً مستقذراً، سوّوا بين الرجال والنساء وأكلوه جميعاً!
فتعجب القرآن من هذه العقول التي تمنع الطيبات عن النساء وتبيح الخبائث للجميع، وتتوهم أن هذا من دين الله الحنيف!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير المرأة وتجريم التمييز الجاهلي الظالم:
تفضح الآية النزعة الجاهلية في احتقار المرأة وسلب حقوقها في الطيبات؛ فالإسلام جاء فساوى بين الرجل والمرأة في أصل الكرامة والتمتع بالطيبات المشروعة، وحرّم استئثار الرجال بالحقوق دون النساء بالتحكم والأهواء.
قبح أكل الميتة:
شنع القرآن باشتراكهم في أكل الميتة؛ فالجاهلية جمعت بين ظلم النساء في الحلال الحي، واستباحة الخبيث الميت المضر بالأبدان والأديان.
التأنيث في (خَالِصَةٌ) ثم التذكير في (مُحَرَّمٌ): تفنن إعجازي بديع؛ أنث الأولى مراعاة لمعنى النسمة أو الأجنة أو للمبالغة، وذكّر الثاني مراعاة للفظ (ما) في قوله {مَا فِي بُطُونِ}؛ ليعطي كل كلمة حظها البلاغي الأوفى.
التعبير بـ {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ}: جعل الوصف نفسه كأنه هو المجزي به؛ مبالغة في تبيين أن أقوالهم وأوصافهم الكاذبة انقلبت هي نفسها مادة لعذابهم ونكالهم.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
موازين الشرع مبنية على الطهارة والعدل؛ فما طاب حلّ للجميع، وما خبث حرم على الجميع؛ أما قوانين الأهواء فتبنى على الأثرة والقسوة والتناقض المريب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العدل الأسري وحسن عشرة النساء:
وصية الإسلام بالمرأة وحفظ حقوقها؛ ونبذ كل عادات موروثة تسلب النساء حقوقهن المالية أو تحرمهن من الطيبات بدعاوى فارغة.
الخضوع لحكمة الله في التشريع:
الإيقان بأن تشريعات الله كلها حكمة وعدل ونقاء؛ فلله الحكمة البالغة في كل ما أحل وما حرم.