أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 81)جامع البيانالطبري١٢/٨١ بسنده عن ابن عباس وقتادة والسدي في قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا}: "يقول: ولكل عامل بطاعة الله أو معصيته من الإنس والجن مراتب ومنازل عند الله يوم القيامة بمقدار عمله؛ فأهل الجنة يتفاضلون في الدرجات العلى، وأهل النار يتفاضلون في الدركات السفلى، لا يُظلم أحد منهم شيئاً".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 339)مصدر غير محدد٣/٣٣٩: "{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا} أي: ولكل عامل من أهل طاعة الله أو أهل معصيته مراتب ومنازل من جزاء عمله، يبلغه الله إياها ويوفيه أجرها بالعدل، {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} أي: بل هو محيط بجميع أعمالهم حفيظ لها لا يعزب عنه مثقال ذرة، وسيجازيهم عليها أكمل الجزاء".
قال السعدي (ص 271)مصدر غير محدد٢٧١: "الدرجات للمؤمنين في الجنات، والدركات للكافرين في الجحيم؛ فالجنة درجات بعضها فوق بعض، والنار دركات بعضها أسفل من بعض، وكل عبد يتبوأ منزله بحسب إيمانه وكسبه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(دَرَجَاتٌ): جمع دَرَجَة، وهي المرقاة والمنزلة الرفيعة؛ وتُطلق هنا على مراتب الجزاء ثواباً وعقاباً؛ وإن كان الغالب استعمال الدرجات في الثواب والدركات في العقاب، إلا أنه استُعمل هنا للتغليب والاشتراك في تفاضل المراتب.
(بِغَافِلٍ): اسم فاعل مجرور بالباء الزائدة؛ والغفلة الذهول والنسيان وعدم الرقابة.
الإعراب والتركيب:
{وَلِكُلٍّ}: الواو عاطفة أو استئنافية، اللام حرف جر، (كل) اسم مجرور والتنوين فيه تنوين عوض عن مضاف إليه محذوف تقديره (ولكل عامل من الإنس والجن)، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
قرأ الجمهور وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف: {عَمَّا يَعْمَلُونَ} بياء الغيبة؛ إخباراً عن الخلائق أجمعين من الإنس والجن.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: {عَمَّا تَعْمَلُونَ} بتاء الخطاب؛ مواجهة للمكلفين لزيادة التحذير واليقظة والمحاسبة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها العدلي التام: بعد أن بينت الآيات السابقة محاكمة الإنس والجن واعترافهم بالذنوب وسنة الإهلاك المشروطة بالبلاغ، قررت هذه الآية قاعدة "العدالة الجزائية التفصيلية"؛ فالخلائق ليسوا فئة واحدة متساوية في النعيم ولا متساوية في الجحيم، بل هناك تمايز دقيق وترتيب محكم لا يضيع فيه مثقال ذرة من خير أو شر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفاوت المنازل في الآخرة وتفنيد التسوية الظالمة:
تأصل الآية لمبدأ استحقاق العمل في ميزان العدل الإلهي؛ فالمجرمون في النار ليسوا في درجة واحدة؛ فمن كان إجرامه مقتصراً على كفر نفسه ليس كمن كان رأساً في الكفر وصاداً لغيره وماكراً بالرسل {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ}. وكذلك المؤمنون في الجنة يتفاضلون بحسب يقينهم وتضحياتهم وجهادهم {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً}.
نفي الغفلة عن الله تأكيد للضبط الإحصائي المطلق:
قوله {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}: ينفي أي وهم بتسرب النسيان أو السهو إلى علم الله وحفظه؛ فالأعمال كلها مدونة محصاة بدقة متناهية لا تغادر صغيرة ولا كبيرة.
التنوين في {وَلِكُلٍّ} و{دَرَجَاتٌ}: تنوين عوض في الأول لإفادة الشمول التام لكل مكلف، وتنوين تفخيم وتكثير في الثاني لبيان كثرة المراتب والمنازل وتنوعها الهائل.
التوكيد بالباء الزائدة في {بِغَافِلٍ}: لاستغراق نفي الغفلة نفيياً مطلقاً في الماضي والحاضر والمستقبل.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
ميزان الله ميزان ذرة؛ لا يضيع عنده دمعة خاشعة، ولا تسبيحة صادقة، ولا خطوة في سبيل الله؛ وفي المقابل لا تسقط عنده مظلمة ولا نظرة خائنة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
علو الهمة والتنافس في الصالحات:
دفع المؤمن إلى استباق الخيرات والتطلع إلى أعلى الدرجات في الفردوس الأعلى؛ فالمنازل تُبنى هنا في الدنيا بأنفاس الطاعة والجهاد.
الرقابة الإلهية الدائمة:
استشعار نظر الله وإحاطته؛ فلا يغفل العبد عن مراقبة ربه، ولا ييأس إذا رأى الظالمين يتمتعون مؤقتاً، فإن الله ليس بغافل عنهم وسيجزيهم بما كانوا يعملون.