تفسير الآثار في تسلية قلب المصطفى ببيان سنن السخرية ومآلاتها:
أخرج الطبري (ج ١١، ص ٣١١-٣١٥)مصدر غير محدد١١/٣١١ وابن أبي حاتم وابن كثير عن قتادة ومجاهد والضحاك والسدي: «يسلي الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من سخرية كفار قريش واستهزائهم بطلباتهم المتعنتة؛ فيخبره أن هذه ليست بدعاً في مسيرة الدعوة؛ فلقد كُذّب واستهزئ بالرسل الكرام من قبلك (كنوح وهود وصالح وإبراهيم وموسى)؛ {فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}: أي نزل وأحاط ودار بالمستهزئين العذابُ والنكالُ الذي كانوا يسخرون منه وينكرون وقوعه؛ فكما حاق العذاب بأولئك الساخرين، فسيحيق بهؤلاء المشركين عذاب الدنيا بالخزي والسيف وعذاب الآخرة بالنار».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَحَاقَ
حاق يحيق حيقاً، أي أحاط ونزل ولزم ودار به فلم يجد منه مهرباً ولا مخلصاً؛ وأصل الحيق إحاطة الشيء بالشيء إحاطة تامة كإحاطة الهلاك بالظالم.
العذاب الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا إذا أُنذروا به.
وَلَقَدِ
الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
اسْتُهْزِئَ
ماضٍ مبني للمجهول، وحركت الدال في لقد بالكسر لالتقاء الساكنين.
بِرُسُلٍ
جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل لاستهزئ.
مِّن قَبْلِكَ
متعلق بمحذوف نعت لرسل.
فَحَاقَ
الفاء عاطفة للترتيب والتعقيب والسببية، حاق ماضٍ مبني على الفتح.
بِالَّذِينَ
متعلق بحاق.
سَخِرُوا
ماضٍ والواو فاعل وجملة سخروا صلة الموصول.
مِنْهُم
متعلق بسخروا.
مَا
اسم موصول مبني في محل رفع فاعل حاق.
كَانُوا
فعل ماضٍ ناقص واسمها الواو.
بِهِ
متعلق بيستهزئون.
يَسْتَهْزِئُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة خبر كانوا، وجملة كانوا صلة ما لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتوعيد المشركين بسنة الحيق والهلاك:
ختام بديع لهذه الحزمة الإفحامية الأولى؛ بعد أن كشف عقم تعنتهم في طلب القراطيس والملائكة، التفت إلى قلب نبيه ومصطفاه مسلياً ومواسياً ومثبتاً: لا يحزنك استهزاؤهم وتكذيبهم، فلست أول رسول يُسخر منه، وتلك سنة ماضية في صراع الحق والباطل؛ ثم انقلب المشهد إلى تهديد مرعب للساخرين: إن هذا الاستهزاء الذي تتضاحكون به سينقلب عليكم قيداً يحيط بأعناقكم وينزل بكم العذاب الذي سخرتم منه حتى يهلككم؛ فكانت الآية بلسم أمان للداعية، ونذير فناء للجاحد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة {فَحَاقَ... مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} ومآل السخرية من الدين:
تبين الآية سنة سننية كونية وقضائية: السخرية من الرسل والاستهزاء بالوحي لا تمر بلا عقاب في الدنيا قبل الآخرة؛ فكل من سخر من الحق لابد أن يحيق به جنس ما استهزأ به؛ فسخرية قريش بالمستضعفين وبالوعيد انتهت بهم صرعى في قليب بدر مجندلين بالخزي؛ فسنة "الحيق" الجزائي لا تتخلف في التاريخ.
التنكير في {بِرُسُلٍ}: لإفادة التعظيم والكثرة؛ أي برسل عظام أولي عزم وقوة، فإذا كان أولئك الأعلام قد نالهم الاستهزاء فاصبر كما صبروا.
التعبير بـ {فَحَاقَ}: استعارة تمثيلية بارعة؛ صور العذاب بسور أو طوق يحيط بالمجرمين من كل جانب فلا يدع لهم منفذاً للفرار، كقوله تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات واليقين في مواجهة حملات التشويه والسخرية والاستهزاء التي يشنها الإعلام الفاسد أو الملاحدة ضد دين الله وحملته.
استيقان الداعية بأن النصر مع الصبر، وأن الساخرين إنما ينسجون حبال هلاكهم بأيديهم وسيرون عاقبة أمرهم خسراً.