أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 25)جامع البيانالطبري١٢/٢٥ في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن ربك يا محمد هو أعلم بالضال عن طريق الحق ودين الله ورشده، وأعلم بمن قد هداه الله فوفقه لسلوك سبيله ودينه، وهو مجازٍ كل فريق منهم بما يستحق من الجزاء".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 326)مصدر غير محدد٣/٣٢٦: "أي: هو يعلم المستحق للهداية فييسرها له، والمستحق للغواية فيخلى بينه وبين غيه، وكل ميسر لما خُلق له؛ فلا يحزنك ضلال من ضل، فإن الله محيط بأحوالهم وعليم بمن يصلح للخير ومن لا يصلح له".
قال ابن جرير: المعنى: إن الله يعلم من حقت عليه كلمة العذاب وقدر عليه الضلال بعلمه السابق، ويعلم من سبقت له الحسنى من المهتدين، فلا تتبع أهواء الضالين فإن الله يحكم بالعدل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(أَعْلَمُ): اسم تفضيل من العلم، والمراد به هنا كمال العلم والإحاطة التامة التي لا يشركه فيها أحد.
(الْمُهْتَدِينَ): اسم فاعل من الاهتداء، وهم الذين قبلوا هدى الله وسلكوا سبيله باختيارهم وتوفيق الله لهم.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّ}: حرف مشبه بالفعل ينصب الاسم ويرفع الخبر.
{رَبَّكَ}: اسم إن منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والكاف مضاف إليه.
{هُوَ}: ضمير فصل مبني لا محل له، أو ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ وخبره (أعلم).
{مَن}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ (أعلم) لتضمنه معنى يعلم، أو مضاف إليه مجرور محلاً بإضافة اسم التفضيل إليه (أي أعلم الضالين)، أو اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة (يضل) خبره والجملة سدت مسد مفعولي العلم المعلق.
{يَضِلُّ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول أو خبر.
{عَن سَبِيلِهِ}: جار ومجرور متعلق بـ (يضل)، والهاء مضاف إليه.
{وَهُوَ}: الواو عاطفة، (هو) مبتدأ.
{أَعْلَمُ}: خبر المبتدأ مرفوع.
{بِالْمُهْتَدِينَ}: الباء حرف جر، (المهتدين) اسم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور متعلق بـ (أعلم).
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: {مَن يَضِلُّ} بفتح الياء؛ فعل لازم من (ضَلَّ يَضِلُّ).
وقرأ يعقوب الحضرمي والحسن البصري في الشواذ: {مَن يُضِلُّ} بضم الياء؛ إما مبنياً للمفعول أي من يضله الله لشقاوته وفساد اختياره، وإما متعدياً أي من يضل غيره من الدعاة إلى الضلال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها التقريري: لما حذر الله رسوله والمؤمنين في الآية السابقة من طاعة أكثر من في الأرض لاتباعهم الظن والخرص، علّل ذلك في هذه الآية ببيان أن الله هو المرجع الأوحد في تحديد أهل الضلال وأهل الهدى؛ لعلمه المحيط بالسرائر والمصائر، فلا يجوز للبشر أن يحكموا بالكثرة أو بالأهواء، بل الحكم لله العليم بأهل الرشاد وأهل الفساد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تنزيه العلم الإلهي وإثبات الحكمة في القضاء والقدر:
الآية تبين أن هداية المهتدي وإضلال الضال لم يقعا جزافاً ولا عبثاً، بل بناءً على علم الله الأزلي التام باستعدادات القلوب وصدق الإرادة؛ فالله أعلم حيث يضع رسالته وتوفيقه، وأعلم بمن خَبُثت نفسه ورضي بالباطل فاستحق الخذلان.
تعدية (أعلم) في الموضعين واختلاف الأسلوب:
عُدي في الأول بـ (مَن) بنفسه أو بالإضافة {أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ}، بينما عُدي في الثاني بالباء {أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}؛ للتنبيه على خصوصية المهتدين وقربهم؛ فالباء تفيد شدة اللصوق والملابسة، وإشعاراً بعناية الله بهم ولطفه في هدايتهم.
التأكيد بضمير الفصل {هُوَ}: لإفادة القصر والاختصاص؛ أي هو وحده لا غيره العليم بحقيقة الضلال والهدى.
المقابلة بين الضلال والاهتداء: مقابلة عادلة بين مصير العناد والخرص، ومصير الانقياد لكلمات الله التامة.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
لا تتصدر للحكم على مصائر الناس بالجنة أو النار؛ فالله هو أعلم بالقلوب وخواتيم الأعمال، ولكن تمسك بالصراط المستقيم وأخلص النية لمولاك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التربية التزكوية:
الافتقار الدائم إلى هداية الله، والوجل من الانتكاس؛ فإذا كان الله هو الأعلم بالمهتدين، فليكن هم العبد أن يكون في علم الله من الصادقين المهتدين لا من المدعين المتظاهرين.
الرفق في الدعوة:
بذل النصح للجميع دون يأس من أحد؛ فلعل من تراه ضالاً في ظاهره يعلم الله في باطنه بذرة خير يتداركه بها فيهديه، ولعل من تظنه مهتدياً يزيغ، فكل الأمور موكولة إلى علمه سبحانه.