أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣١٠)جامع البيانالطبري١١/٣١٠ عن قتادة في قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا}: «أي نجمع الأولين والآخرين من الإنس والجن لميقات يوم معلوم، ثم نقف المشركين وأوثانهم ونقول لهم توبيخاً وتقريعاً: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم آلهة وأنهم شفعاؤكم عند الله؟!».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «يقف المشركون يوم القيامة فيُسألون: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ فلا يجدون ناصراً ولا معيناً، وتتبرأ منهم الآلهة التي عبدوها من دون الله».
وذكر القرطبي (ج ٦، ص ٤٠١)مصدر غير محدد٦/٤٠١: «الاستفهام هنا استفهام توبيخ وتفضيح على رؤوس الأشهاد، وليس استفهام استعلام؛ لأن الله عليم بهم وبأصنامهم، ولكن لبيان كذبهم وانقطاع حيلهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نَحْشُرُهُمْ
الحشر هو الجمع والسوق من مكان إلى مكان؛ وحشر القيامة جمع الخلائق للحساب.
جَمِيعًا
حال تفيد الاستغراق والإحاطة؛ فلا يتخلف عن الموقف أحد من الإنس والجن والأصنام.
أَشْرَكُوا
جعلوا لله نداً وسووا به غيره في الألوهية والعبادة.
تَزْعُمُونَ
الزعم القول المشوب بالباطل والظن الفاسد بلا حجة ولا برهان؛ وغالب ما يستعمل الزعم فيما كان كذباً أو مشكوكاً فيه.
وَيَوْمَ
الواو استئنافية، يوم ظرف زمان منصوب بفعل محذوف تقديره (اذكر يوم نحشرهم).
نَحْشُرُهُمْ
مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به والميم للجمع، والجملة في محل جر بالإضافة لـ يوم.
جَمِيعًا
حال منصوبة بالفتحة الظاهرة.
ثُمَّ
حرف عطف للتراخي الرتبي والتهويل.
نَقُولُ
مضارع والفاعل مستتر تقديره نحن.
لِلَّذِينَ
متعلق بنقول.
أَشْرَكُوا
ماضٍ والواو فاعل والجملة صلة الموصول.
أَيْنَ
اسم استفهام مبني في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم.
شُرَكَاؤُكُمُ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة والكاف مضاف إليه، والجملة مقول القول في محل نصب.
الَّذِينَ
اسم موصول نعت لشركاؤكم.
كُنتُمْ
ماضٍ ناقص واسمه التاء والميم للجمع.
تَزْعُمُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة خبر كنتم، وجملة كنتم تزعمون صلة الذين لا محل لها، وحُذف مفعولا تزعمون لدلالة الكلام عليهما؛ أي تزعمونهم شركاء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نقل المشهد من الدنيا إلى فضيحة الموقف في عرصات القيامة:
لما بيّن في الآية السابقة أن الظالمين لا يفلحون، جسد هنا المشهد الأخروي الذي يبرهن عياناً على انعدام فلاحهم وخيبتهم الكبرى؛ حيث يُحشرون جميعاً وتُعرض عقائدهم الفاسدة على محكمة العدل الإلهية أمام الملأ، فيُسألون عن شركائهم سؤال تبكيت لا مخرج منه، لتتجلى حقيقة العجز والخذلان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إضافة الشركاء إليهم في قوله: {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ}:
من الإشكالات التي قد تطرأ: كيف أضاف الشركاء إليهم مع أن الله تعالى منزه عن الشريك؟!
والجواب العقلي والبياني المحكم: أن الإضافة هنا ليست إضافة حقيقة ومطابقة للواقع، بل هي إضافة تقييدية بحسب زعمهم واعتقادهم الباطل؛ كأنه قال: أين الشركاء الذين زعمتم أنهم شركاء في ملكي وألوهيتي؟! فالإضافة لتبكيتهم وتذكيرهم بافترائهم، ونظيره قوله: {فَأَيْنَ تَمْشُونَ} وقوله: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَدَّعُونَ} أي بحسب زعمكم الفاسد.
التعبير بـ {ثُمَّ} قبل القول: للدلالة على هول ما بين الحشر والمساءلة؛ فالحشر في ذاته كربة عظمى، ثم يعقبه بعد الذهول سؤال الفضيحة والتقريع، وهو أشد على نفوسهم من ألم الجمع.
استعمال مادة {تَزْعُمُونَ} وحذف المفعولين: إشارة إلى أن دعواهم في ألوهية الأصنام كانت دعوى فارغة ساقطة لا حقيقة لها وراء التوهم والافتراء؛ فإيجاز الحذف يبرز تهافت ذلك المعتقد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تذكر هول الوقوف بين يدي الله، وأن كل تعلق بغير الله في الدنيا سينقلب في الآخرة حسرة وفضيحة وخذلاناً.
التحرر من التبعية للأنداد والأشخاص والمناهج الباطلة قبل أن تأتي ساعة الحشر التي لا ينفع فيها ندم.