أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (11/ 562)جامع البيانالطبري١١/٥٦٢ في قوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ}: يقول تعالى ذكره للمشركين به غيره من خلقه: هذا الذي وصف لكم صفته، وأخبركم بأنه بديع السماوات والأرض، وخالق كل شيء وعالم بكل شيء، هو الله الذي لا تحل الألوهة إلا له، ولا ينبغي أن يُعبد شيء سواه، {فَاعْبُدُوهُ} أي: فأفردوه بالعبادة دون أصنامكم وأوثانكم وسائر خلقه.
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 312)مصدر غير محدد٣/٣١٢: "{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} أي: الذي خلق كل شيء، ولا ولد له ولا صاحبة، {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} أي: فأفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، وأقروا له بأنه لا إله إلا هو؛ فإنه الخالق لكل شيء، الرازق لكل حي، المدبر لجميع الأمور، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي: حفيظ رقيب قائم على تدبير كل مخلوق".
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص 266)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٢٦٦: "هذه الآية جمعت بين توحيد الربوبية المتضمن لانفراده بالخلق والتدبير، وتوحيد الألوهية المتضمن لوجوب إفراده وحده بالعبادة والخضوع، وتوحيد الأسماء والصفات المتضمن لكمال صفاته وعموم وكالته وحفظه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(وَكِيلٌ): فعيل من الوكالة، والوكيل هو القائم بأمر موكله، الحفيظ له، الكفيل بمصالحه. وفي حق الله تعالى: القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على الخلائق، الذي فُوّضت إليه الأمور وتكفل بتدبيرها ورزقها وحفظها.
الإعراب والتركيب:
{ذَلِكُمُ}: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف للخطاب والميم للجمع.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة خبر أول للمبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{رَبُّكُمْ}: خبر ثان أو بدل مرفوع، والكاف مضاف إليه.
{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}: (لا) نافية للجنس، (إله) اسمها مبني على الفتح، وخبرها محذوف تقديره (حق)، (إلا) أداة حصر واستثناء، (هو) ضمير منفصل بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف أو بدل من موضع (لا واسمها). والجملة في محل رفع خبر ثالث أو جملة معترضة.
{فَاعْبُدُوهُ}: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر، أو فاء الفصيحة؛ (اعبدوه) فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به.
{وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}: الواو استئنافية، (هو) مبتدأ، (على كل شيء) جار ومجرور متعلق بـ (وكيل)، و(وكيل) خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها: لما ساق الله تعالى الأدلة القاطعة على تفرده بالخلق والإبداع والعلم المحيط في الآيات السالفة، جاءت هذه الآية كـ "النتيجة البرهانية الكبرى" التي تلتزم بها العقول والفطر بالضرورة؛ فاسم الإشارة {ذَلِكُمُ} يجمع كل الصفات الجليلة المتقدمة ليرتب عليها الأمر الجازم: {فَاعْبُدُوهُ}؛ إذ الخالق المدبر هو المستحق وحده للعبادة، ثم ختم بقوله {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} ليجمع بين طلب العبادة وتفويض الأمر والتوكل عليه سبحانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير التلازم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية:
دأب القرآن الكريم على إلزام المشركين بتوحيد الألوهية من خلال إقرارهم بتوحيد الربوبية؛ فالمشركون كانوا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق بديع السماوات والأرض، فلزمهم عقلاً ألا يجعلوا له شريكاً في العبادة؛ لأن صرف العبادة لغير الخالق سفه محض ومناقضة للمنطق السليم؛ إذ كيف يُعبد العاجز المخلوق ويُترك الخالق القادر؟!
دفع شبهة الجبرية والمعتزلة في خلق أفعال العباد: قوله تعالى {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} نص قطعي عند أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى خالق كل شيء في الوجود بما في ذلك أفعال العباد وطاقاتهم؛ والعباد فاعلون لأفعالهم حقيقة كسباً واختياراً، والله خالقهم وخالق أفعالهم كما قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}.
الإشارة بـ {ذَلِكُمُ}: تفخيم وتعظيم للمشار إليه بصفاته العلية المنعوتة في الآيات السابقة، واستحضار لعظمته في الذهن.
تتابع الأخبار الدالة على كمال الجلال والجمال: (الله، ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل شيء)، لإحاطة العقل بدلائل التوحيد.
الفاء الفصيحة في {فَاعْبُدُوهُ}: تدل على شرط مقدر، أي: إذا علمتم ذلك وتيقنتم بانفراده بالخلق والربوبية فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً.
تقديم الجار والمجرور في {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}: للاهتمام والعموم، وبيان أن وكالته سبحانه مستغرقة لجميع الكائنات.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
جمعت الآية قطبي النجاة والسعادة: العبادة والتوكل، كما في قوله تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}، وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}؛ فالعبادة غاية الوجود، والتوكل هو السبيل والمدد لتحقيق تلك الغاية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
دعوة الخلق إلى الله ببيان أسمائه وصفاته ونعمه؛ فإن القلوب جُبلت على حب من أنعم عليها وخلقها ودبر أمرها، فإذا عُرف الله بربوبيته سهلت طاعته في ألوهيته وأوامره.
الأثر الإيماني والمسلكي:
الطمأنينة الكاملة والسكينة النفسية؛ فحين يوقن العبد أن ربه ومعبوده هو الوكيل الحفيظ على كل حركة وسكون في العالم، يسقط القلق والهلع من قلبه، ويفوّض أمره كله إلى من لا تضل قدرته ولا ينفد عطاؤه.