تعنت المشركين في طلب الخوارق وسنة الهلاك عند نزولها:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٥٩)جامع البيانالطبري١١/٣٥٩ وابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي وقتادة في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ}: «أي قال مشركو قريش: هلا أنزل على محمد آية وحجة قاهرة نراها عياناً كعصا موسى وناقة صالح وتحويل الصفا ذهباً! {قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً} كما طلبتم وأعظم؛ {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أن في إنزال الآية المقترحة هلاكهم واستئصالهم إن لم يؤمنوا بها؛ لأن سنة الله في الأمم السالفة أنه إذا أنزل الآية المقترحة فكفروا عوجلوا بالعذاب والدمار ولم يُنظروا طرفة عين».
وروى الإمام أحمد في "المسند" (ج ١، ص ٢٥٨)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبل١/٢٥٨ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سألت قريش النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من كان قبلهم! قال: بل استأنِ بهم؛ فأنزل الله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{لَوْلَا}: حرف تحضيض وتوبيخ؛ والمراد هلا أُنزل عليه آية حسية قاهرة.
{آيَةٌ}: معجزة خارقة للعادة تقهرهم على التصديق.
{قَادِرٌ}: صفة مشبهة تدل على كمال القدرة المطلقة التي لا يعجزها شيء.
{لَا يَعْلَمُونَ}: يجهلون سنن الله في خلقه وحكمته البالغة في تأخير الآيات استبقاءً لهم ورحمة بهم.
{يُنَزِّلَ}: مضارع منصوب بأن والفاعل مستتر تقديره هو.
{آيَةً}: مفعول به منصوب، والمصدر المؤول (أن ينزل آية) في محل جر بعلى متعلق بقادر.
{وَلَٰكِنَّ}: الواو عاطفة للاستدراك، لكن حرف مشبه بالفعل.
{أَكْثَرَهُمْ}: اسم لكن منصوب والهاء مضاف إليه.
{لَا}: نافية.
{يَعْلَمُونَ}: مضارع والواو فاعل والجملة خبر لكن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبطال التعنت البشري ببيان الحكمة والرحمة الإلهية:
سياق حجاجي يدفع شبهة المشركين؛ فلما زعموا أن عدم إجابتهم لخوارق مقترحة دليل على عجز الرسالة، رد القرآن بحسم برهاني: الله قادر على إنزال ما اقترحتم وزيادة، ولكن تأخيرها رحمة بكم وحكمة؛ لأنكم تجهلون عواقب ما تطلبون؛ فنزول تلك الخوارق يعني نزول الهلاك الحاسم إن كذبتم، والله يريد إمهالكم ليخرج من أصلابكم من يوحد الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة عدم نزول المعجزات المقترحة وإثبات كفاية معجزة القرآن:
يدعي الملاحدة والمستشرقون أن القرآن يعترف بعجز النبي عن الإتيان بالمعجزات الحسية في هذه الآية!
والرد القاطع من وجهين:
أن الآية صريحة في إثبات القدرة الإلهية المطلقة: {إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً}، فلم يكن الامتناع لعجز قط، بل لحكمة سننية؛ فالآيات المقترحة على سبيل التعنت والعناد إذا جاءت ولم يؤمنوا أعقبها استئصال كقوم عاد وثمود، والله قضى ألا يستأصل أمة محمد بعذاب عام.
أن المعجزة العظمى الخالدة الممنوحة للنبي صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم، وهي معجزة عقلية بيانية قائمة متجددة إلى قيام الساعة تفوق كل المعجزات الحسية المؤقتة التي تنقضي بموت أصحابها.
التنكير في {آيَةً} مرتين: الأولى في كلامهم للتقليل والتعنت؛ أي أيّ معجزة تخرق العادة، والثانية في جواب الحق لإفادة التعظيم؛ أي آية عظيمة هائلة تقصم ظهور المعاندين.
التذييل بـ {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}: كشف لجهلهم المركب؛ يطلبون هلاكهم بأيديهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الرضا بما قسمه الله وأنزله من الآيات والبينات، وعدم الاشتراط على الله في طلب كرامات أو خوارق مخصوصة.
إدراك أن الحكمة والرحمة قد تكون في منع ما يطلبه العبد؛ فكم من عبد يطلب أمراً فيه هلاكه وفساد دينه والله بحكمته يمنعه عنه حفظاً له.