أصل النشأة الإنسانية وتفسير المستقر والمستودع في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٧٤)جامع البيانالطبري١١/٥٧٤ وابن أبي حاتم والحاكم عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والحسن ومجاهد في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}: «أي خلقكم جميعاً وابتدأ نشأتكم وتكاثركم من نفس واحدة وهو أبوكم آدم عليه السلام؛ {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ}:
قال ابن مسعود وابن عباس: فمستقر في الأرحام، ومستودع في الأصلاب.
وقال مجاهد وقتادة والحسن: فمستقر في الدنيا على ظهر الأرض إلى أن يموت، ومستودع في القبور في بطن الأرض والبرزخ إلى أن يُبعث.
{قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} أي يفهمون عن الله حججه ويدركون أسرار الخلق والنشأة ومآلاتها».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٢٥)مصدر غير محدد٣/٣٢٥: «يذكر تعالى قدرته في خلق البشر مع كثرتهم وتنوع ألوانهم ولغاتهم من أصل واحد وهو آدم؛ وتنقلهم في أطوار الوجود من أصلاب إلى أرحام، ومن دنيا إلى قبور؛ وكل ذلك مفصل لقوم يفقهون دقائقه وبراهينه».
{يَفْقَهُونَ}: مضارع والواو فاعل والجملة في محل جر نعت لقوم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من آيات الآفاق العلوية إلى آية الأنفس وتوحد النسل البشري:
بعد أن جلى آيات النجوم والشمس والقمر والصباح، عاد إلى أقرب البراهين إلى قلب الإنسان وعقله؛ وهو أصل نشأته البشرية وتناسله؛ فأنتم ملايين البشر باختلاف ألسنتكم وألوانكم وشعوبكم تنحدرون من نفس واحدة، وتتقلبون بين مستقر ومستودع عبر أطوار الوجود؛ ليدرك العاقل أن الذي بدأ هذا النسل المعجز هو إله واحد يستحق العبادة المطلقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إسقاط النظريات العنصرية والطبقية بتقرير وحدة الأصل الإنساني:
تقرر الآية أصلاً إنسانياً وعقدياً حاسماً: {أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}؛ فالبشرية أسرة واحدة ترجع إلى أب واحد؛ فلا فضل لعرق على عرق، ولا لأبيض على أسود، ولا لشعب على شعب بالدم والنسب؛ فالطبقية والاستعلاء العرقي جاهلية ساقطة؛ وميزان التفاضل إنما هو الفقه والتقوى والعمل الصالح؛ كما تبطل الآية مزاعم النشوء الصدفي المادي الأعمى وتثبت الإنشاء الإلهي المقصود.
المقابلة بين {مُسْتَقَرٌّ} و {مُسْتَوْدَعٌ}: استيعاب لحالات الوجود؛ فالإنسان لا ينفك عن كونه مستقراً في مقام حاضر، أو مستودعاً في برزخ ومرحلة انتقالية يودع فيها ريثما ينتقل إلى غيرها حتى يستقر في الجنة أو النار.
ختم الآية بـ {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} بعد أن ختم سابقتها بـ {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}: لطيفة بيانية معجزة؛ فالاهتداء بالنجوم علم واستدلال ظاهري فناسبه {يَعْلَمُونَ}، أما تفاصيل الأطوار الجنينية وتناسل البشر وانتقالهم بين الأصلاب والأرحام والقبور فيحتاج إلى غوص وتدبر وفقه دقيق فناسبه {يَفْقَهُونَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تذكر الأصل المشترك والتواضع بين الناس ونبذ النعرات العصبية والعنصرية الفاسدة.
استشعار قصر الحياة الدنيوية؛ فالإنسان فيها مستودع كأمانة عابرة سينتقل منها قريباً إلى مقره النهائي في دار البقاء.