تخصيص الإنذار بمن ترجى هدايته وإبطال شفاعات الأنداد في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٠٠)جامع البيانالطبري١١/٤٠٠ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك في قوله تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ}: «أي أنذر بهذا القرآن الكريم هؤلاء المؤمنين والمصدقين بالمعاد والبعث، الذين يوجلون من لقاء الله والوقوف بين يديه؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالإنذار وتخاف قلوبهم؛ وأما من لا يرجو لقاء الله ولا يؤمن بالحساب فلا تجدي فيه الموعظة؛ {لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} أي ليس لهم يوم القيامة ناصر ينصرهم من دون الله، ولا شفيع يشفع لهم إلا بإذنه ورضاه، {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي لكي يثبتوا على التقوى ويجتنبوا مساخط الله».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٧٦)مصدر غير محدد٣/٢٧٦: «الإنذار عام لجميع المكلفين، ولكنه خص هنا هؤلاء المنتفعين الخائفين من البعث؛ لأنهم هم الذين يصغون إلى الوحي وتتحرك قلوبهم للخشية، كقوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَأَنذِرْ بِهِ
خوف بهذا القرآن العظيم وحذر من عذاب الله.
يَخَافُونَ
الوجل والخشية المستقرة في النفوس المفضية إلى العمل والحذر.
يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ
يجمعوا ويساقوا للمحاسبة والجزاء.
لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ
لا مولى ولا ناصر ينقذهم إن أراد الله بهم سوءاً.
وَلَا شَفِيعٌ
ولا من يشفع لإسقاط ذنوبهم إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.
وَأَنذِرْ
الواو عاطفة، أنذر فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
توجيه الإنذار للقلوب الحية المشفقة من الحساب الأكبر:
اتصال دقيق بالآية السابقة؛ فلما بين الفرق الهائل بين الأعمى والبصير، وجه أمره إلى رسوله بتخصيص أعظم عنايته بالإنذار لمن في قلبه مسحة من خشية الآخرة؛ لأن الذي يستحضر هول المحشر وتجرده من شفاعات الأنداد هو المؤهل للانتفاع والتقوى؛ فكان في الآية ترشيد للجهد الدعوي نحو التربة الخصبة المستعدة للإثمار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق عقيدة الشفاعة وإبطال الشفاعة الشركية والوثنية:
تؤصل الآية للمفهوم القرآني الصارم للشفاعة؛ فالشفاعة المنفية في قوله: {لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} هي الشفاعة الشركية البدعية التي كان يتوهمها المشركون وأهل الكتاب؛ حيث زعموا أن آلهتهم أو أحبارهم يشفعون لهم عند الله استقلالاً بغير إذن، أو أنهم يفرضون شفاعتهم على الله تعالى كما يفعل وزراء الدنيا عند الملوك!
أما الشفاعة المثبتة شرعاً في عقيدة أهل السنة فهي ملك لله وحده، ولا تكون إلا بشرطين قطعيين: إذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}، وقوله: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ}.
التقييد بقوله {مِّن دُونِهِ}: نكتة عقدية دقيقة؛ نفت أي ولاية أو شفاعة تخرج عن مشيئة الله وإذنه وتدبيره؛ فقطعت أطماع المتعلقين بالأولياء أو الأصنام استقلالاً من دون الله.
التذييل بـ {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}: بيان للثمرة الكبرى للإنذار القرآني؛ وهي رسوخ التقوى ودوام المراقبة والتحرز من معاصي الله في السر والعلن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس خوف المحشر واليوم الآخر في قلوب المدعوين والمتربين؛ فإن استحضار الحساب الفردي المجرد هو أقوى رادع عن الظلم والمعاصي.
التمسك بالإخلاص وتجريد التوكل على الله وحده، وعدم الاتكال على الأنساب أو شفاعات المخلوقين دون تقديم العمل الصالح والتوحيد الخالص.