استنطاق الفطرة الإنسانية في ساعات الشدة والاضطرار في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٧٢)جامع البيانالطبري١١/٣٧٢ وابن أبي حاتم عن قتادة والسدي في قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ}: «يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين محتجاً عليهم ومستنطقاً لفطرتهم: أخبروني إن نزل بكم عذاب الله المستأصل في الدنيا، أو قامت عليكم القيامة فجأة، أتدعون حينئذ أصنامكم وأوثانكم لتكشف عنكم الضر أم تدعون الله مخلصين له الدين؟! {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في أن آلهتكم تنفع أو تضر وتستحق العبادة».
وروى الطبري عن ابن عباس: «إن المشرك إذا أصابته شدة أو كربة في البحر أو البر لم يدعُ اللات والعزى، بل دعا الله وحده ونسي كل صنم، فإذا نجا عاد إلى شركه».
وذكر ابن كثير (ج ٣، ص ٢٦٨)مصدر غير محدد٣/٢٦٨: «هذا إلزام للمشركين ببطلان ما هم عليه؛ فإنهم في حال الاضطرار لا يلوذون إلا بالله وحده، ويعلمون أن آلهتهم لا تملك لهم ضراً ولا نفعاً؛ فإذا كان هذا حالها عند الشدائد، فكيف تعبدونها في حال الرخاء؟!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَرَأَيْتَكُمْ
الرؤية هنا علمية قلبية؛ والمراد: أخبروني عن علم ويقين؛ والكاف والميم حرفان لمجرد الخطاب وتأكيد الجماعة.
عَذَابُ اللَّهِ
نقمته الدنيوية كالصواعق والخسف والغرق والاستئصال.
السَّاعَةُ
القيامة الكبرى التي ينهدم عندها العالم.
أَغَيْرَ اللَّهِ
الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، وغير مفعول به مقدم لتدعون.
قُلْ
أمر مبني على السكون.
أَرَأَيْتَكُمْ
الهمزة للاستفهام، رأيت فعل ماضٍ مبني على السكون والتاء فاعل مبني على الفتح، والكاف حرف خطاب والميم علامة الجمع (ولا محل لهما من الإعراب)، والفعل معلق عن العمل لتصدر الاستفهام الإنكاري في الجملة اللاحقة.
إِنْ
حرف شرط جازم.
أَتَاكُمْ
ماضٍ مبني على فتح مقدر في محل جزم فعل الشرط والكاف مفعول به والميم للجمع.
عَذَابُ
فاعل أتاكم مرفوع وهو مضاف.
اللَّهِ
لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
أَوْ
حرف عطف للتقسيم.
أَتَتْكُمُ
ماضٍ معطوف والتاء للتأنيث والكاف مفعول به.
السَّاعَةُ
فاعل مرفوع بالضمة.
أَغَيْرَ
الهمزة للإنكار والتوبيخ، غير مفعول به مقدم لتدعون منصوب بالفتحة وهو مضاف.
اللَّهِ
لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
تَدْعُونَ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة تدعون سدت مسد مفعولي رأيتكم؛ وجواب الشرط محذوف دل عليه الاستفهام الإنكاري؛ أي إن أتاكم العذاب فهل تدعون غير الله؟!
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
محاصرة المشركين بحجة الفطرة الساطعة وإبطال وثنيتهم من واقع سلوكهم:
حوار إفحامي مباشر يعود بالجاحد إلى أعماق فطرته؛ فبعد أن بين عماهم وضلالهم في الآيات السابقة، واجههم هنا بسؤال عاصف يجرد قلوبهم من كل مكابرة: تخيلوا لحظة حلول العذاب أو قيام الساعة، لمن ترفعون أيديكم وتستغيثون؟! إنكم حينئذ تسقطون كل الأصنام وتتجهون بقلوبكم إلى الله وحده؛ فإذا كنتم لا تدعون في الكرب إلا إياه، فلم تشركون به في الرخاء الحجارة والصور؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حجية "دليل الاضطرار الفطري" في إثبات التوحيد وبطلان الشرك:
الآية تؤسس لواحد من أقوى البراهين العقلية والنفسية على وجود الله وتوحيده: "برهان الاضطرار الفطري"؛ فالإنسان في ساعات الرخاء قد يغالطه عقله بزخارف الفلسفات أو تقاليد الآباء فيعبد الأصنام أو يدعي الإلحاد، ولكن حين تضيق به السبل وتنقشع الأسباب الحسية ويدركه الغرق أو الهلاك، تزول كل الأقنعة الزائفة وتصرخ فطرته العميقة مستغيثة بالخالق القادر الأعلى؛ وهذا الإجماع الفطري القسري دليل قطعي على أن التوحيد هو الأصل المطبوع في جبلة البشر، وأن الشرك عارض طارئ.