أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 154)جامع البيانالطبري١٢/١٥٤ بسنده عن السدي وقتادة في قوله تعالى: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}: "يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإن كذبك يا محمد هؤلاء المشركون من قريش واليهود فيما جئتهم به من بيان التوحيد والحل والحرم وما قَصصت عليهم من نبأ المحرمات، فلا تيأس وادعهم بالترغيب والترهيب، وقل لهم: ربكم ذو رحمة واسعة بعباده حيث لم يعاجلكم بالنقمة وفتح لكم باب التوبة، واحذروا أن يغمركم بأسه وعذابه إذا تماديتم في الإجرام فإنه لا طاقة لكم به ولا يرده أحد عنكم".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 354)مصدر غير محدد٣/٣٥٤: "يقول تعالى: فإن كذبك مخالفوك من المشركين واليهود ومن شاكلهم، فقل مرغباً لهم ومرهباً: {رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} وهذا ترغيب لعلهم يتوبون ويرجعون، {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} وهذا ترهيب من التمادي على مخالفته وتكذيب رسوله؛ فجمع بين الترغيب والترهيب كعادته تعالى في كتابه كقوله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَا}: الواو عاطفة، (لا) نافية للجنس أو حرف نفي لا عمل له.
{يُرَدُّ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة الظاهرة.
{بَأْسُهُ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة، والهاء مضاف إليه.
{عَنِ الْقَوْمِ}: جار ومجرور متعلق بـ (يرد).
{الْمُجْرِمِينَ}: نعت مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومنهج الدعوة الرشيد بالجمع بين الرجاء والخوف: بعد أن فصّل القرآن البراهين العلمية والتاريخية والتشريعية في الآيات السابقة، وجاء التوقع الطبيعي بتعنت المكذبين وإصرارهم، لقّن الله رسوله المنهج الدعوي والتربوي الأمثل في مخاطبة المكذبين؛ فلا يواجههم باليأس والانتقام، بل يفتح لهم أبواب الرجاء في رحمة الله الواسعة التي تسع توبتهم، مع تحذيرهم في الوقت ذاته من بأسه وانتقامه الذي لا يرده أحد إن بقوا على إجرامهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التوازن القرآني بين الرحمة والعدل:
تدرأ الآية شبهة الإرجاء التي تغر الناس بسعة رحمة الله حتى يتجرؤوا على المعاصي والشرك؛ فالله وإن كان ذا رحمة واسعة إلا أنه شديد العقاب على المجرمين؛ فلا يجوز تعليق النفس بالرجاء الكاذب مع الإصرار على الباطل، بل الرحمة تُنال بالتوبة والاستجابة، والبأس يحيق بالمجرمين المعاندين.
المقابلة التامة بين الرحمة والبأس: {ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} في مقابل {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ}؛ توازن نفسي ودعوي بديع يجمع بين جناحي الطائر: الخوف والرجاء.
البناء للمجهول في {وَلَا يُرَدُّ}: للدلالة على القهر التام؛ فإذا نزل بأس الله لم يملك أحد من ملوك الأرض ولا آلهتهم المزعومة أن يدفع هذا العذاب أو يحول دونه.
وصف المكذبين بـ (الْمُجْرِمِينَ): علّة لاستحقاق البأس؛ فالإجرام المكتسب هو الذي جلب عليهم سخط الله ونقمته.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
تقديم ذكر الرحمة على ذكر البأس دليل على أن رحمة الله سبقت غضبه؛ فالله يمهل ويدعو بالرحمة، حتى إذا استنفد العبد كل فرص النجاة أخذته صاعقة البأس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أدب الداعية في البلاغ:
تعليم الدعاة عدم الانفعال والغضب الشخصي عند تكذيب المدعوين؛ بل مخاطبتهم بالدعوة إلى سعة رحمة الله مع ترهيبهم من بأسه بأسلوب حكيم متزن.
الخشية ومحاسبة النفس:
حذر المؤمن الدائم من الأمن من مكر الله؛ فالرجاء يبعث على العمل الصالح، والخوف يحجز عن المعاصي.