سبب النزول واعتراف زعماء قريش بصدق النبي صلى الله عليه وسلم في الأثر:
أخرج الترمذي في "جامع سننه" (رقم ٣٠٦٤ وقال: حسن صحيح) والحاكم في "المستدرك" (ج ٢، ص ٣١٦)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٣١٦ وابن جرير الطبري (ج ١١، ص ٣٤٤)مصدر غير محدد١١/٣٤٤ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولا نراك كاذباً، ولكن نكذب بما جئت به! فأنزل الله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}».
وروى الطبري والحاكم وابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي والزهري: «أن الأخنس بن شريق لقي أبا جهل بن هشام يوم بدر في خلوة، فقال له: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط! ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟! فذلك قوله: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}».
وذكر ابن كثير (ج ٣، ص ٢٦٢)مصدر غير محدد٣/٢٦٢: «تسلية من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه، وإعلام له بأنه يعلم حزنه وتألمه، وأنهم في باطن أمرهم يعلمون صدقه وأمانته، ولكن يحملهم البغي والحسد والتنافس الدنيوي على الجحود بآيات الله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{قَدْ نَعْلَمُ}: قد مع المضارع هنا تفيد التحقيق والتأكيد لكثرة علمه وإحاطته الأزلية؛ كقوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ}.
{لَيَحْزُنُكَ}: الحزن ألم نفسي يعتري القلب لفوات محبوب أو وقوع مكروه؛ واللام لام التوكيد.
{لَا يُكَذِّبُونَكَ}: لا ينسبونك في قرارة نفوسهم إلى الكذب، لعلمهم بيقين صدقك وطهارتك وتلقيبهم لك بالأمين.
{يَجْحَدُونَ}: الجحود هو إنكار الحق باللسان مع استيقانه وثبوته في القلب؛ كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}.
القراءات المتواترة في الآية:
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} بالتخفيف من التكذيب؛ أي لا يجدونك كاذباً بحجة ولا ينسبون الكذب إليك.
وقرأ نافع في رواية، وأبو جعفر، ويعقوب: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكْذِبُونَكَ} بضم الياء وسكون الكاف وتخفيف الذال المكسورة؛ من أكذبه إذا وجده كاذباً، أو أثبت عليه الكذب؛ والمعنى: لا يقدرون أن يثبتوا عليك كذبة واحدة في تاريخك الشريف ولا يجدونك كاذباً.
الإعراب والتركيب:
{قَدْ}: حرف تحقيق.
{نَعْلَمُ}: مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن.
{إِنَّهُ}: إن حرف توكيد والهاء ضمير الشأن مبني في محل نصب.
{لَيَحْزُنُكَ}: اللام المزحلقة للتوكيد، يحزنك مضارع مرفوع بالضمة والفاعل هو المصدر المؤول أو الاسم الموصول، والكاف مفعول به.
{الَّذِي}: اسم موصول فاعل يحزنك.
{يَقُولُونَ}: مضارع والواو فاعل والجملة صلة الموصول لا محل لها، وجملة إن وخبرها سدت مسد مفعولي نعلم.
{وَلَٰكِنَّ}: الواو عاطفة للاستدراك، لكن حرف مشبه بالفعل ينصب الاسم ويرفع الخبر.
{الظَّالِمِينَ}: اسم لكن منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{بِآيَاتِ}: متعلق بيجحدون.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
{يَجْحَدُونَ}: مضارع والواو فاعل والجملة في محل رفع خبر لكن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بلسم نبوي وتسلية إلهية لقلب المصطفى صلى الله عليه وسلم:
مطلع في غاية اللطف والرحمة والرعاية النبوية؛ فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفيض قلبه حرصاً على إيمان قومه ويتألم لتكذيبهم ورميهم له بالسحر والجنون، نزل الوحي ليمسح على قلبه الشريف؛ مؤكداً أن الله عليم بما يلقاه، ومبيناً أن هذا التكذيب ليس طعناً في شخصه ولا كشفاً لريب فيه؛ فهم أقر الناس بأمانته وصدقه، وإنما عداوتهم مع الحق المنزل وآيات الله القاهرة؛ فلتطب نفسك، فإنما الخصومة بين الظالمين وبين رب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة "الجحود" والفرق بين التكذيب المعرفي والتكذيب النفسي:
تكشف الآية عن أدق دقائق التحليل النفسي البشري في الصراع العقدي؛ فالكفر في كثير من الأحيان ليس نقصاً في المعرفة ولا عجزاً في الإدراك، بل هو جحود واستكبار ومصالح شخصية تخاف الزوال؛ فأبو جهل وقادة قريش لم تكن عندهم شبهة عقلية واحدة تطعن في صدق النبي، بل كانت العصبية القبلية والمكاسب الدنيوية هي التي منعتهم من الإذعان؛ فالآية تدمغ شبهات المنكرين وتظهر نقاء صفحة الرسول المعصوم صلى الله عليه وسلم.
الافتتاح بـ {قَدْ نَعْلَمُ}: إشعار بالقرب التام والرعاية الربانية الكبرى؛ فالله يسمع ويرى ما يقولون ويثبت نبيه بعلمه وحكمته.
التعبير بالاسم الظاهر {وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ} دون الإضمار: وضع الظاهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بصفة الظلم؛ لبيان أن جحودهم نابع من ظلمهم وطغيانهم، وللإشعار بأن مصيرهم إلى البوار لأن الظالمين لا يفلحون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تسلية الدعاة والمصلحين عند مواجهة الصد والاستهزاء؛ بأن يعلموا أن عداء المبطلين ليس لذواتهم بل للحق الذي يحملونه، وأن الله معهم يسمع ويرى.
الحذر من داء الحسد والتنافس الدنيوي؛ فإنه قد يردي بصاحبه في مهاوي الجحود والهلاك وهو يعلم الحق يقيناً في قلبه.