روى الإمام الطبري في "جامع البيان" (11/ 569)جامع البيانالطبري١١/٥٦٩ بسنده عن قتادة في قوله: {قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ}: "أي بينات من ربكم وهدى ومواعظ من عند ربكم في هذا القرآن".
قال ابن عباس رضي الله عنهما: البصائر هي الحجج العقلية والآيات القرآنية والبراهين الرسالية التي تبصر بها القلوب الحق من الباطل كما تبصر العيون الأجرام في الضياء.
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 315)مصدر غير محدد٣/٣١٥: "البصائر هي الحجج والبراهين التي اشتمل عليها القرآن وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ} كقوله تعالى: {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}، {وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} أي: ومن عمي عن الحق فلم يهتدِ به فإنما وبال عماه وضلاله راجع على نفسه، {وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} أي: برقيب ولا حفيظ أحصي أعمالكم، وإنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي، والله هو الحفيظ عليكم الحاكم فيكم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(بَصَائِرُ): جمع بصيرة، وهي نور القلب وقوته المدركة للحقائق والمعاني، بخلاف البصر الذي هو حاسة العين المدركة للأشخاص والألوان. وتُطلق البصيرة أيضاً على الحجة والبرهان والدلالة الواضحة التي تنير العقل.
(عَمِيَ): العَمى هنا هو عمى البصيرة وفقدان نور القلب، كما قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
(حَفِيظٍ): فعيل للمبالغة، الحافظ الرقيب الموكل بحفظ أعمال الناس ومجازاتهم عليها جبراً.
الإعراب والتركيب:
{قَدْ}: حرف تحقيق مبني على السكون.
{جَاءَكُم}: فعل ماض مبني على الفتح، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والميم للجمع.
{بَصَائِرُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، ومُنع من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع.
{فَمَنْ أَبْصَرَ}: الفاء فصيحة، (مَن) اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، (أبصر) فعل ماض مبني في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
{فَلِنَفْسِهِ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره (فإبصاره لنفسه) أو (فالنفع لنفسه)، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا}: عاطفة، وإعرابها كسابقتها؛ أي (فعماه وبالٌ عليها).
{وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ}: الواو استئنافية، (ما) حجازية تعمل عمل ليس أو نافية مهملة، (أنا) ضمير منفصل اسمها (أو مبتدأ)، (عليكم) جار ومجرور متعلق بـ (حفيظ)، والباء حرف جر زائد، (حفيظ) مجرور لفظاً منصوب محلاً خبر (ما).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها: بعد أن بسط الله سبحانه البراهين التوحيدية الكبرى في الآيات السابقة (خلق السماوات، نفي الولد والصاحبة، نفي إدراك الأبصار، إحاطة اللطيف الخبير)، التفت الخطاب إلى المكلفين التفاتاً حاسماً: لقد انجلت الحجة وسطع البرهان؛ فصارت الآيات بصائر كافية لكل طالب حق، فمن انتفع بها فنفعه لنفسه، ومن أعرض فضرره عليه وحده، ولا يُلام الرسل على كفر المعاندين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الإكراه في الدين وبيان وظيفة الرسالة:
قوله {وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ}: صريح في أن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم هي البلاغ المبين والإنذار وإقامة الحجة، وليس موكلاً بمحاسبة الناس أو إجبارهم على الإيمان قسراً؛ فالإيمان لا يقبل الإكراه القلبي، والله تعالى يحاسب العباد على اختياراتهم الحرة بعد قيام الحجة عليهم.
رد شبهة النسخ المزعوم بآية السيف: زعم بعض المتأخرين أن قوله {وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} منسوخ بآيات القتال، والصواب الذي عليه المحققون أنه محكم لا نسخ فيه؛ لأن المعنى: لست بحفيظ أحصي عليكم أعمالكم وأجبر قلوبكم على الهدى وأحاسبكم على ضمائركم، فإن ذلك إلى الله وحده، وهذا حكم مستمر لا ينسخه قتال ولا جهاد.
الاستعارة التصريحية: إطلاق (البصائر) على الآيات والحجج تشبيهاً لها بالأنوار المبصرة التي تبدد ظلمات الجهل والشك.
الطباق المقابل: بين (أبصر / عمي) وبين (لنفسه / فعليها)، واستعمال حرف (اللام) مع الإبصار لدلالته على النفع والاستحقاق، واستعمال حرف (على) مع العمى لدلالته على الضرر والتحمل والوبال.
الالتفات البلاغي: حيث جاء قوله {وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتقرير شفقته وتجرده التام من أي منفعة شخصية، أو هو قول الله معلّماً نبيه ما يقوله لهم.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
الحق بيّن أبلج، والقرآن بصيرة تنير معالم الطريق، ولكن النور لا ينتفع به من أغمض عينيه طوعاً أو استغشى ثيابه كبراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تسلية الداعية وطمأنته؛ فليس عليه هداية التوفيق، وإنما عليه هداية البيان والإرشاد، فإذا أدى الأمانة وبث البصائر برئت ذمته، ولا يتحسر على إعراض المعرضين.
المسؤولية الفردية:
ترسيخ مبدأ المسؤولية الشخصية الصارمة؛ فالإنسان هو صانع مصيره بفضل ربه وإرادته الحرة؛ إما إلى جنة ونور بإبصاره، وإما إلى شقاء وعذاب بعماه وتعنته.