تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للظلم بالشرك وحديث ابن مسعود في الصحيحين:
أخرج البخاري في "صحيحه" (كتاب الإيمان، رقم ٣٢، وكتاب التفسير، رقم ٤٦٢٩) ومسلم في "صحيحه" (رقم ١٢٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٢٤ والترمذي وأحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لما نزلت هذه الآية: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: وأينا لم يظلم نفسه يا رسول الله؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}"».
وأخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥١٦)جامع البيانالطبري١١/٥١٦ وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم نحو ذلك، وقالوا: «{وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ}: أي لم يخلطوا توحيدهم بشرك؛ {أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ} في الآخرة من عذاب الله والفزع الأكبر، {وَهُم مُّهْتَدُونَ} في الدنيا إلى الصراط المستقيم».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٠٨)مصدر غير محدد٣/٣٠٨: «هذا فصل القضاء بين الفريقين من عند الله تعالى؛ فبين أن المخلصين الذين عبدوا الله وحده ولم يشركوا به شيئاً هم الآمنون يوم القيامة من عذاب الله، المهتدون في الدارين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَلْبِسُوا
يخلطوا ويشوبوا ويدنسوا؛ من اللبس وهو الخلط والستر.
بِظُلْمٍ
الظلم وضع الشيء في غير موضعه؛ والمراد به هنا بالنص النبوي المعصوم: الشرك بالله الأكبر والأصغر.
الْأَمْنُ
السلامة من الخوف والعذاب والفزع في عرصات القيامة وعند الموت.
مُّهْتَدُونَ
سالكون سبيل النجاة الموفقون إلى جنات النعيم.
الَّذِينَ
اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ، وهو جواب الله الفاصل بين الفريقين.
مفعول به أول وهو مضاف والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
بِظُلْمٍ
جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ يلبسوا (أو متعلق بيلبسوا).
أُولَٰئِكَ
أولاء اسم إشارة مبتدأ ثانٍ والكاف للخطاب.
لَهُمُ
متعلق بمحذوف خبر مقدم والميم للجمع.
الْأَمْنُ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة (لهم الأمن) خبر أولئك، وجملة (أولئك لهم الأمن) خبر المبتدأ الأول (الذين).
وَهُم
الواو عاطفة، هم ضمير منفصل مبتدأ.
مُّهْتَدُونَ
خبر هم مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة معطوفة على خبر أولئك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فصل القضاء الإلهي وتتويج مناظرة الخليل بالبشارة العظمى:
ذروة بديعة تنهي المناظرة بمرسوم إلهي حاسم؛ فلما طرح إبراهيم السؤال التحكيمي: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ}، لم يترك الجواب لتقدير البشر، بل نزل الحكم الفاصل من فوق سبع سماوات: الفريق الأحق بالأمن هم الذين آمنوا ولم يخلطوا توحيدهم بشرك؛ فلهم الأمن التام المطلق، ولهم الهداية الراسخة؛ فكانت الآية شهادة تزكية للخليل وأتباعه، وصك أمان لكل موحد إلى يوم القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق مراتب الظلم ومراتب الأمن عند أهل السنة والجماعة:
قرر أئمة أهل السنة والتحقيق (ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ج ٧، ص ٨٢، وابن القيم في "مدارج السالكين" ج ١، ص ٣٤٢):
أن "الظلم" في أصله الشرعي هنا هو "الشرك" بنص الحديث النبوي؛ فمن سلم إيمانه من الشرك الأكبر والأصغر فله الأمن التام والهداية التامة من دخول النار.
ومن كان موحداً سالماً من الشرك الأكبر ولكنه تلبس بظلم المعاصي والكبائر (ظلم النفس)، فله من الأمن والهداية "بقدر سلامة إيمانه وتوحيده"، ولا يُسلب الأمن المطلق، بل هو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ومآله إلى الجنة والنجاة من الخلود في النار؛ رداً على الخوارج والمعتزلة الذين كفروا بالمعاصي وحرموا أصحاب الكبائر من الأمن بالكلية.
التنكير في {بِظُلْمٍ} مع سياق النفي: يفيد العموم في جنس الشرك؛ فمن نقى توحيده من كل شائبة شرك نال كمال الأمن.
تقديم الجار والمجرور في {لَهُمُ الْأَمْنُ} وتعريف {الْأَمْنُ} بأل الجنسية: يفيد الحصر والاستغراق؛ فالأمن الحقيقي الكامل حكر على أهل التوحيد والإيمان، ولا حظ فيه لمشرك ولا كافر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد التوحيد وتخليصه من شوائب الشرك الخفي (كالرياء والتعلق بالأسباب والحلف بغير الله) لنيل الأمن التام.
طمأنينة القلب الإيمانية؛ فالموحد يعيش في أمن وسكينة نفسية في الدنيا، ويوم القيامة ينال الأمان عند الفزع الأكبر بفضل توحيده وبركته.