تفسير السماع الحقيقي وتشبيه الكفار بالموتى في مأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٥٧)جامع البيانالطبري١١/٣٥٧ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والحسن البصري في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ}: «أي إنما يجيبك يا محمد إلى ما تدعو إليه من الهدى والحق الذين يسمعون سماع فهم وقبول وإذعان وعقل، وأما الكفار الذين لا يفقهون ما تقول فهم كالموتى الذين لا حس لهم ولا حركة؛ {وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} أي يبعثهم من قبورهم يوم القيامة، {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} فيجازيهم بأعمالهم».
وروى الطبري عن السدي: «ضرب الله مثلاً للكافر بالميت؛ لأن الميت لا يسمع دعاء الحي ولا يجيبه، فكذلك الكافر لا ينتفع بموعظة ولا يستجيب لنداء الإيمان حتى يبعثه الله في الدار الآخرة فيعاين العذاب».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٦٥)مصدر غير محدد٣/٢٦٥: «أي إنما يستجيب لدعوتك يا محمد من يسمع الكلام فيفهمه ويعيه، كقوله: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا}، وأما الكفار فهم موتى القلوب؛ كما قال: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ}، شبههم بموتى الأجساد في عدم السماع والانتفاع».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
إِنَّمَا
أداة حصر وقصر تفيد إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه.
يَسْتَجِيبُ
الاستجابة هي الإجابة والانقياد بالقبول والامتثال؛ وزيادة السين والتاء تدل على الرغبة وطلب الإجابة طوعاً.
يَسْمَعُونَ
السماع هنا سماع تدبر وتفهم وقبول، لا مجرد إدراك الصوت بالآلة.
وَالْمَوْتَىٰ
جمع ميت؛ واستعير للكفار الذين ماتت أرواحهم وبصائرهم بالجهل والشرك.
يَبْعَثُهُمُ
البعث الإحياء بعد الإماتة والإخراج من الأجداث للحساب.
الواو استئنافية، الموتى مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
يَبْعَثُهُمُ
مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله، والهاء مفعول به والميم للجمع، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (الموتى).
اللَّهُ
لفظ الجلالة فاعل يبعثهم مؤخر (أو الفاعل ضمير والله توكيد، والأرجح لفظ الجلالة فاعل صريح).
ثُمَّ
حرف عطف يفيد التراخي الرتبي والزماني.
إِلَيْهِ
جار ومجرور متعلق بيرجعون قدم للحصر.
يُرْجَعُونَ
مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل مرفوع بثبوت النون، والجملة معطوفة على جملة يبعثهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فصل الخطاب في جدوى الدعوة وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم:
اتصال بديع بخاتمة الآية السابقة؛ فلما نهى الله نبيه عن الحزن والجزع على إعراضهم: {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ}، بين له هنا القاعدة الكلية في التلقي؛ فالإنسان الحي القلب هو الذي يسمع ويستجيب، أما هؤلاء المعاندون فقد ماتت قلوبهم وصاروا كالأموات في القبور، فلا تطمع في استجابتهم في دار التكليف، وموعدهم البعث يوم القيامة ليرجعوا إلى حكم الله العادل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
حقيقة استعارة الموت للقلوب ودفع توهم العبثية في التكليف:
قد يورد مشكك: إذا كان الكفار موتى القلوب لا يستجيبون فكيف يصح تكليفهم ونداؤهم؟!
والتحقيق العقلي التقريري (كما بيّنه ابن القيم في "إعلام الموقعين" ج ١، ص ١٦٥):
أن التكليف يتوجه إليهم باعتبار قيام آلات الإدراك الحسية (العقل، السمع، البصر) وقدرتهم على النظر والاستدلال؛ فالحجة قائمة عليهم بذلك وتسمى "حياة التكليف والإلزام".
وأما وصفهم بـ "الموتى" فهو باعتبار النتيجة وثمرة السماع؛ فلما عطلوا تلك القوى واستكبروا عن قبول الحق صاروا كالأموات في عدم الانتفاع بالموعظة؛ فكان التكليف عدلاً لإقامة الحجة، ووصفهم بالموت بياناً لواقع عنادهم.
أسلوب القصر بـ {إِنَّمَا}: قصر الاستجابة على السامعين سماع تدبر؛ لإخراج الجاحدين من دائرة الأحياء ذوي الإدراك.
الاستعارة التصريحية في {وَالْمَوْتَىٰ}: استعير لفظ الموتى للكفار لجامع سلب الإدراك النافع والانقطاع عن أسباب الحياة الحقيقية؛ فالحياة الحقيقية هي حياة الإيمان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توجيه جهد الداعية لمن يرجى قبوله وإصغاؤه، وعدم إهدار الطاقات في مجادلة المعاندين الذين اختاروا موت القلوب.
تضرع العبد إلى الله بأن يحيي قلبه بنور الوحي، والاستعاذة من موت الفؤاد وقسوة الضمير.