أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 102)جامع البيانالطبري١٢/١٠٢ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله تعالى: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ}:
الصنف الأول {أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ}: الحِجْر هو المحظور الممنوع؛ كانت طوائف الجاهلية تحرم بعض الثمار والزروع والأنعام وتجعلها خاصة بسدنة الأوثان والرجال دون النساء أو لمن يشاؤون من أوليائهم بزعمهم الباطل.
الصنف الثاني {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا}: هي البحائر والسوائب والحوام التي نهوا عن ركوبها والحمل عليها في أي شأن؛ فكانت تُترك فلا يُحمل عليها متاع ولا تُركب تكريماً لآلهتهم.
الصنف الثالث {وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا}: ذبائح كانوا يذبحونها على النصب للأصنام فلا يذكرون اسم الله عليها ألبتة، أو لا يهلون بها عند الحج، ويزعمون كذباً وافتراءً أن الله أمرهم بذلك.
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 344)مصدر غير محدد٣/٣٤٤: "يخبر تعالى عما كان عليه المشركون من الضلال في جعلهم بعض الأنعام والزروع حجراً، أي حراماً محجوراً، لا يطعمها إلا من يشاؤون من سدنة قبورهم وخدمة أصنامهم... {افْتِرَاءً عَلَيْهِ} أي: كذباً وافتراءً ينسبونه إلى شرع الله ودينه ولم يأمرهم الله بشيء من ذلك، {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: يوم القيامة أشد العقاب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(حِجْرٌ): الحِجْر في كلام العرب: المنع والإحكام والحظر؛ وسُمي الحرام حجراً لأنه محجور ممنوع منه؛ ومنه حِجْر البيت لمنعه، وحِجْر العقل لحجزه صاحبه عن القبائح.
{بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}: الباء سببية، وما موصولة أو مصدرية صلتها كانوا يفترون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومواصلة تفكيك البدع الجاهلية: بعد أن ندد القرآن بجرائم الوأد والقتل في الآية السابقة، عاد إلى تفصيل التابوهات والتحريمات الغذائية والحيوانية المبتدعة؛ ليثبت بالأدلة العينية أن هؤلاء المشركين جعلوا من أنفسهم مشرعين يحللون ويحرمون وفق أهوائهم، ثم يجرؤون على نسبة تلك الأكاذيب إلى دين إبراهيم وإسماعيل افتراءً على الله تعالى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحريم التحليل والتحريم بغير سلطان من الله:
الآية حجة قاطعة في أن حق التحليل والتحريم تشريع خالص لله رب العالمين؛ فمن حرم شيئاً من المطعومات أو الملبوسات أو الأنعام بغير نص صريح من الوحي فقد افترى على الله كذباً وتعدى على مقام الألوهية؛ ولهذا قال: {افْتِرَاءً عَلَيْهِ} لبيان أن الجريمة لم تكن مجرد امتناع عن أكل بل كانت كذباً وافتراءً على الشريعة الإلهية.
التعبير بالمصدر (حِجْرٌ): للمبالغة في شدة المنع والتحريم المبتدع في أعرافهم.
تكرار لفظ (بِزَعْمِهِمْ): للمرة الثانية في هذا السياق؛ للدمغ المستمر لتلك التحريمات بالسفه والبطلان ونفي أي أساس علمي لها.
الإتيان بـ {افْتِرَاءً عَلَيْهِ} بصيغة المصدر المنصوب المؤكد: لإظهار قبح الدافع والوقاحة في نسبة الضلال إلى الله.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
ما ضيق الناس على أنفسهم بدعة إلا حرمهم الله من سعة الشريعة ورحمتها؛ فالحلال واسع طيب، والبدع قيود وأغلال يبتدعها البشر فيكبلون بها حياتهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة الفتوى والتشريع:
الحذر البالغ من القول على الله بغير علم؛ فمن أفتى بتحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد قارف نوعاً من الافتراء الذي حذرت منه الآية وتوعدت عليه بالعقاب.
الاستمتاع بنعم الله المشروعة:
شكر نعم الأنعام وركوبها والانتفاع بظهورها وألبانها ولحومها بذكر اسم الله عليها دون توهمات أو خرافات.